السبت، 4 أغسطس، 2012

التليفون المحمول


في العام 1977 دشنت شركة AT&T الأميركية أول شبكة اتصالات لاسلكية لم يتجاوز عدد مستخدميها الألفين من سكان مدينة شيكاغو. يُقدر عدد الهواتف المحمولة قيد الاستخدام اليوم بالمليار ونصف المليار جهاز تتجاوز بخدماتها الاتصال الصوتي المجرد لتوفر إمكانية تحرير الوثائق الالكترونية واستعراض المواقع على الانترنت وتبادل البريد الالكتروني والتقاط الصور والمتاجرة بالأسهم وتكوين الصداقات.. والعداوات في أحيان أخرى كثيرة.
لكن الهواتف النقالة لم تعد وسيلتنا الوحيدة لاقتحام عالم الاتصالات اللاسلكية التي دشنها كل من (ماركوني) و (تِسلا) بدايات القرن الماضي. فبعد التلفاز والمذياع وأجهزة البث اللاسلكي، جاءت هواتف الأقمار الاصطناعية، وأجهزة تحديد المواقع، والخادمات الكفيّة المرتبطة بتقنيات البلوتوث والواي فاي التي تعد بوصلها بالحسابات المكتبية لاسلكياً.. هي وكل جهاز كهربائي آخر بما في ذلك الثلاجات والمكانس ومراوح السقف. أصبح العالم.. في منظور سكان المدن الكبرى على الأقل.. عبارة عن شبكة لاسلكية هائلة تغطي كل جهاز وكل فرد وتعد بغمرك بسيل من المعلومات والخدمات شئت أم أبيت. وفي حين تفخر المجتمعات الصناعية بعدد (النقاط الساخنة) التي توفر الاستضافة اللاسلكية للحاسبات المحمولة عبر مدنها، تبدو هذه الخدمات مجرد ترف تقاني في الكثير من الحالات. فنطق البث التي تمتلكها الشركات محدودة السعة في نهاية الأمر، وهذه الشركات تتقاتل لتستأثر بأكبر عدد ممكن من الزبائن الذين يغريهم سيل من الخدمات البراقة لا يضمن أحد أن تعمل كلها على نحو مثالي مع كل الضغظ الذي يشكلونه هم أنفسهم على الشبكة اللاسلكية.

يبقى الهواء من حولنا معبقاً بالإشارات اللاسلكية التي تبثها الملايين من الرقائق المزروعة في أجهزتنا الالكترونية من جوالات وسواها. ونظل نحن متوترين مع سيل التقارير الطبية المتضاربة حول أثر هذه الموجات على عقولنا وأجسامنا وعلى اتساع ثقب الأوزون من فوقنا وارتفاع حرارة الأرض من أسفل منا.
من ناحية أخرى، يشكل البث اللاسلكي وخدمات اتصاله بصيص أمل لبقاع كثيرة نائية ظلت محرومة من الخدمات التقنية لدهور. فإنشاء محطات البث اللاسلكي يتطلب جزءاً من تكاليف مد خطوط الاتصال التقليدية بينما هي تتيح خدمات أكثر تنوعاً من الاتصال الصوتي الصرف. وتشكل الهند مثالاً رائداً في هذا المجال بمشروعها الطموح لإنشاء محطة لاسلكية لخدمات الانترنت في كل من قراها الستمائة ألف، مما سيسهل بالتأكيد التواصل بين سكان هذه القرى ومن يعرفون في المدن، ويسهل حياة المزارعين بإطلاعهم على أخبار الطقس وأسعار المحاصيل ومواقع الأطباء والبائعين.. ناهيك عما يمثله هذا من توسيع لآفاق المواطن الهندي وربطه بالعالم وبالتقنية من حوله في المقام الأول مما سيعود بالخير على هذه الدولة الصاعدة كقوة عظمى قادمة.
تبقى اللاسلكية سوقاً مفتوحة وحلبة صراع لأقطاب صناعة الاتصالات الذين يدركون قيمة الكنز الذي تشكله هذه التقنية عبر سوق هائلة يمثلها ملياران من سكان العالم ومبيعات تتجازو النصف مليار جهاز جديد سنوياً. وهو ما قد يفسر تهافت هذه الشركات لابتكار أنواع من الخدمات غير ذات أهمية حقيقية في محاولات دائمة لإقناع المستهلك بنمط معين من أساليب الحياة المتمحورة حول التقنية.. والاتصالات.. والمبالغ اللازمة لتسديد فواتير هذه الخدمات في نهاية الأمر.
أعلام: مارتِن كوبر- أبو الهاتف النقّال
كانت فلسفة (كوبر) تتمثل في أن الإتصال ينبغي يكون ممكناً على مستوى الأفراد. “إن أردت أن تحادث شخصاً فعليك أن تطلب رقمه هو.. وليس رقم منزله أو سيارته أو أي موقع آخر يحتمل أن يتواجد به”. أراد (مارتن كوبر) أن يوفر وسيلة اتصال نقّالة وفعّالة يمكن أن يحملها المرء معه أينما كان.. وهكذا كان الهاتف الجوال.
بالرغم من أن (كوبر) يعد مخترع أول هاتف نقال بلا جدال، إلا أن فكرة هذا الجهاز ظهرت قبل تصنيعه بحوالى الثلاثين عاماً على يدي مختبرات بِـل التابعة لشركة AT&T عام 1947. وخلال الستينات وأوائل السبعينات احتدمت المنافسة بين AT&T وغريمتها اللدود موتورولا لتطوير التقنيات اللازمة لتطبيق نظرية الاتصال الهاتفي اللاسلكي ولإقناع السلطات المدنية الأمريكية بالسماح لصاحب الفكرة باستغلال أجواء الأثير لنقل الموجات الهاتفية الجديدة. قبل ذلك كان (مارتن كوبر) يتخرج في معهد إلينوي للتقنية حاصلاً على درجة في الهندسة الكهربائية ليلتحق بسلاح البحرية لمدة أربع سنوات ثم تعينه شركة موتورولا عام 1954 كمهندس مختص في التقنيات اللاسلكية. وهناك قاد العديد من المشاريع الناجحة فقدم أول جهاز اتصال لاسلكي على مستوى قوات الشرطة في العالم استخدمه أفراد شرطة مدينته شيكاغو عام 1967. كما أشرف (كوبر) منذ البداية على مشاريع الشركة في مجال تطوير أجهزة النداء الآلي والهواتف اللاسلكية والنقالة.
ترقى (كوبر) بعد ذلك نائباً لرئيس الشركة ورئيساً لقسم الاتصالات النقالة بها في الفترة التي كانت محاولات مستميتة تجري خلالها للسبق في تصنيع أول هاتف نقال. وفي العام 1973 أنشأت شركة موتورولا أول محطة أرضية لتنفيذ عرض أول للهاتف النقال الذي صممه فريق (كوبر). وفي يوم التدشين، 13 أبريل، قرر (كوبر) أن يجرب الجهاز بنفسه قبل عرضه على الصحفيين، فترك مبنى الشركة الذي ثبت هوائي الهاتف على سطحه ونزل لشوارع نيويورك. وهناك وعلى مرأى من المارة المتعجبين وفي وقت لم يكن حتى الهاتف اللاسلكي مطروحاً فيه بالسوق حمل (كوبر) الهاتف النقال الأول الذي كان يشبه لبِنة البناء في شكله ووزنه وضغط أزراره متصلاً بغريمه رئيس فريق التطوير في شركة AT&T المنافسة (جو إنغل). كانت الكلمات الأولى في ذلك الاتصال هي: “جو، أنا أحدثك من هاتف نقال حقيقي”. كان ذلك أقوى إعلان لانتصار موتورولا في المنافسة، ويذكر (كوبر) في انتشاء أنه سمع صرير أسنان منافسه الذي لم يمنعه غيظه من مواصلة المحادثة اللاسلكية الأولى على نحو متحضر.

كان الجهاز الأول بالغ الضخامة مقارنة بهواتف اليوم وبلغ سعر وحدته التي طرحت في الأسواق عام 1977 حوالي الأربعة آلاف دولار. ومنذ ذلك الحين و (مارتن كوبر) يعمل على توفير الاتصال الخلوي بأسعار أقل وعبر هواتف أكثر تقدماً. وهو استمر مع موتورولا حتى العام 1983 حين أسس شركته الخاصة Cellular Business Systems التي كانت أحد اللاعبين الكبار في سوق الاتصالات الخلوية قبل أن يبيعها عام 1992 ويؤسس ArrayComm المهتمة بتطوير تقنيات الاتصال اللاسلكي الرائدة. وبالرغم من عمره الذي جاوز السبعين إلا أن (كوبر) لا يزال بالغ النشاط في مجاله وأبحاث شركته في مجال الهوائيات الذكية يعد بثورة في توسيع نطق التغطية اللاسلكية.
في مقابلة شهيرة معه إثر الاحتفال بالذكرى الثلاثين لابتكاره الهاتف الجوال، أبدى الدكتور (مارتن كوبر) عدم رضاه عن الوضع الذي وصلت له صناعة الإتصالات في الولايات المتحدة ومن اهتمام الشركات بإضافة خدمات ثانوية للهواتف كالقدرة على تبادل الرسائل والصور والألعاب فيما لم يتحقق الهدف الحقيقي الذي كان هو ينشده بأن يستطيع المرء الاتصال بأي شخص في أي مكان وفي أي وقت من دون عوائق أو تكاليف باهظة. وقال أن (الأجهزة الشاملة) المعروضة حالياً توفر العديد من الميزات دون أن تقدم أي منها على نحو متكامل في حين أن خاصية الاتصال التي لأجلها تم ابتكار الهاتف الجوال لا تزال تعاني من التشويش والتقطع الأمر الذي أرجعه للمنافسة الاحتكارية بين الشركات التي توظف نطق البث المحدودة في سبيل ما يفوق طاقتها من الزبائن. وأعلن كذلك أنه يفكر في تطوير تقنيات أفضل للاتصال مبيناً أن شريحة دقيقة يتم تثبيتها في أذن المستخدم ربما تشكل النسخة القادمة من الهاتف الجوال الذي بدأ هو ثورته قبل ثلاثة عقود بجهاز بلغ وزنه حينها الخمسة كيلوغرامات.
كيف تحدد التقنيات اللاسلكية ملامح مستقبلنا؟

من يمتلك هاتفاً جوالاً، يدرك بلا شك أثر التقنيات اللاسلكية على مجريات حياتنا اليومية. لكن الهواتف الجوالة، بكل الخدمات المرفقة بها من نظم رسائل قصيرة وقدرة على الإبحار في الانترنت وعلى التقاط الصور وتبادلها وغير ذلك، ليست سوى عنصر واحد من مجموعة التقنيات اللاسلكية العديدة التي يجري تسويقها كظاهرة تقنية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية تستحق أن نلقي نظرة سريعة على أهم سماتها فيما يلي.
ظاهرة التسعينات مستمرة
كما في تسعينات القرن التاسع عشر، كان الاتصال اللاسلكي هو (صيحة) تسعينات القرن العشرين التقانية.. ولا يزال حتى اليوم كذلك. لكن فيما كان (الاتصال) هو الهدف الأصيل للبحوث اللاسلكية السابقة، أضحت هذه الوسيلة سمة لتنفيذ كل شيء بأسلوب عصري. ونعني بـ “كل شيء” هنا طيف المهام الممتد من تسخين قهوة الصباح إلى تشغيل الفرن لإعداد الطعام والتأكد عبر الحاسوب المحمول من الطريق الأقل ازدحاماً للعمل مع الاطلاع على حالة الطقس المتوقعة وإرسال رسائل التهنئة والعزاء وتبادل النكات وآخر الأخبار عبر الجوال وتسليم تقارير العمل والواجبات المدرسية واتصال الثلاجة آلياً بمحلات البقالة لطلب المزيد من المواد التموينية واتصال السيارة بمكتب مديرك لإعلامه بوصولك للدوام متأخراً اليوم واتصال مفكرتك الالكترونية آلياً بمحل الزهور في ذكرى زواجك الذي تنساه دوماً ثم اتصال محل الزهور بمصرفك لسحب قيمة الزهور التي اختارتها زوجتك مسبقاً.. لاسلكياً كذلك.
هكذا تتراص المهام المطلوب من التقنيات اللاسلكية تنفيذها ليصبح الإنجاز اللاسلكي مطلباً في حد ذاته ويصبح الاتصال وسيلة لغايات أخرى شتى. ولعل أكبر مؤشر على ثبات خطى التقنيات اللاسلكية يتمثل في الإقبال الشعبي والتجاري المتزايد على اعتماد الحواسيب المحمولة المزودة بتقنيات الاتصال عبر الأثير. فمحطات بث الخدمة اللاسلكية التي تعرف بالنقاط الساخنة تتكاثر في المدن الكبرى وفي القرى النائية على حد سواء لتغطي المطاعم والمقاهي ومحطات الحافلات والمكاتب الحكومية وأحياء بأكملها أحياناً، ناهيك عن تزويد بعض شركات الطيران لأساطيلها بهذه الخدمة فيما هي في عنان السماء كذلك. وتوجد في العالم أكثر من أربعة عشر ألف نقطة ساخنة منها نحو اثنتا عشر ألفاً في الولايات المتحدة التي تليها بريطانيا في الترتيب فألمانيا. وتقتصر هذه الخدمة في الدول العربية على السعودية والإمارات والبحرين وفقاً لموقع شركة Intel بما مجموعه 13 نقطة في السعودية و 4 نقاط في دبي و نقطة ساخنة واحدة في البحرين.

ومع كل هذا الهوس بالتنقل في حرية مع ضمان الاتصال بالعالم في ذات الوقت، تبدو الحاسبات المحمولة بأحجامها وأوزانها الحالية – الدقيقة على نحو مذهل في الواقع – عبئاً على شريحة متنامية من المستخدمين الذين لا يتصورون أن يحيوا لساعة من الزمن دون أن يتقافز إبهاما الواحد منهم مرسلاً رسالة أو مجرياً اتصالاً أو متلقياً ملفاً ما عبر هاتفه النقال أو مساعده الرقمي. ويأمل هؤلاء أن تتطور جوالاتهم أكثر ليستعيضوا بها تماماً عن الحواسيب المحمولة. وهو مطلب يبدو ممكناً بالنظر للقدرة الحاسوبية لجوالات اليوم التي تضاهي قدرة الحاسبات الشخصية في منتصف التسعينات فيما هي تستهلك جزءاً من المائة من الطاقة التي كانت تستهلكها تلك الحواسيب. وفي جانب القدرة الاستيعابية يُتوقع أن تظهر هواتف جوالة بذاكرات تصل إلى المليار بايت قريباً مما يعني قدرتها على تكون مستودعاً متكاملاً للوثائق والصور الالكترونية الخاصة بأصحابها.
وفيما يحتج البعض بأن الهواتف النقالة أصغر من أن يقضوا بها أغراضهم التي يستخدمون لأجلها الحواسيب، وبأن الاتصال بالانترنت عبر هذه الهواتف لا يزال بطيئاً ومكلفاً، يطالب مناصروا الجوالات بالصبر، فالتقنيات القادمة ستحل المشاكل الفنية الحالية.. كما أن مكاتب التصميم لا تفتأ تفاجئنا ببدع وإضافات جديدة تجعل من هواتفنا المحمولة أقرب للحواسيب أكثر في أشكالها وميزاتها.
كيف سيبدو الجوّال مستقبلاً؟
لاشك أن التوجه العام هو في جعل الأجهزة أصغر وأصغر. وقد أوردنا تصور مخترع الجوال (مارتِن كوبر) بأن يقتصر تصميم الجهاز لاحقاً على شريحة الكترونية دقيقة تثبت على أذن المستخدم. لكن مع وجود الرغبة في ابتكار جوَال (شامل) يتجاوز غرض الاتصال المجرد، لا يبدو الحجم الدقيق خياراً فعالاً. المظاهر الثورية للجوالات الجديدة ظهرت في الأسواق بالفعل منذ سنوات. فهناك جهاز Treo 600 من شركة PalmOne التي اشتهرت بتفعيل ثورة المساعدات الكفية الرقمية (PDAs) أوائل التسعينات. وهذا الجهاز هو هاتف نقال ومساعد رقمي في آن مزود بلوحة مفاتيح متكاملة وتقنية تتيح الإبحار به عبر الإنترنت بيسر. هناك أيضاً جوال الـ N-Gage من Nokia والذي أحدث تغييراً في الممارسة الجماعية للألعاب الاكترونية لاسلكياً.
لكن جوال المستقبل يطمح في جمع كل هذه الميزات وأكثر في جهاز واحد. وأحد التصاميم المقنعة في هذا الصدد تقدمت به شركة Frog Design لجهاز أسمته petfrog تصدّر غلاف مجلة Newsweek  الرصينة مؤخراً كفكرة مستقبلية واعدة.

تم دمج فكرتي الهاتف والحاسوب في هذا الجهاز مع توفير جميع المقومات من برمجيات وعتاد وواجهة مستخدم للقيام بالمهمتين. ومع وجود شاشة عرض واضحة ولوحة مفاتيح متكاملة يخدم الـ petfrog كمساعد رقمي  ومشغل وسائط متعددة من ملفات صوت وفيديو وكآلة تصوير ومسجل صوت وأكثر من ذلك. وتتكامل العديد من التقنيات في هذا الجهاز ليمكّن المستخدم من استعراض الأفلام والموسيقى والصور الشخصية بوصله بالتلفاز. كما يمكن وصله بالمسجل الصوتي للاستماع لملفات MP3 الصوتية بالإضافة لقدرته على الاتصال بالانترنت وتوفير كامل الميزات التي سقدمها الحاسوب الشخصي هناك. ويمكن أيضاً استخدام الجهاز كوسيلة تخزين البيانات الموجودة على الحاسبات الشخصية. ولا يوجد ما يمنع أن يحل هو محلها حيث يتم تصميمه ليشغّل إصادرات خاصة من برمجيات شركة Microsoft ويستجيب للأوامر الصوتية لمشغله وبشاشة تستجيب للمس بديلة عن فأرة الحاسوب العتيقة مع تزويده بفتحات توسعة لإضافة المزيد من الملحقات كشرائح الألعاب الالكترونية وبطاقات الاتصال اللاسلكي.. ولا يتجاوز حجم هذا النموذج الثمانية سنتيمترات عرضاً في تسع منها طولاً وبسمك ثلاث سنتيمترات. ولم يعلن بعد عن الوقت الذي سيطرح فيه هذا النموذج في الأسواق، لكن العديد من التعديلات ستحل عليه بلا شك دون أن يغير ذلك من طبيعته كجهاز من نوع (الكل في واحد).
المزيد من الخدمات قادمة
مالذي يمكن أن تقدمه لنا الاتصالات اللاسلكية فوق ما تفعل اليوم؟ هو سؤال عن أشياء إن تبد لنا فقد تسوءنا.. لأن في جعبة شركات الاتصال الكثير من الوسائل المغرية لاصطياد المزيد والمزيد من الزبائن.. بحجة توفير التقنية والرفاهية للجميع. لكن المزيد من الخدمات اللاسلكية سيعني المزيد من الارتباط بأسر الشبكة اللاسلكية التي تمثل في كثير من الأحيان قيداً على الحرية الشخصية. فالهواتف الجوالة على سبيل المثال يمكن تزويدها بخدمة تحديد مواقع شبيهة بالـ GPS مما يعني تلقيك خلال سيرك في الشارع لعشرات الرسائل الآنية الخاصة بعروض التخفيضات من المحلات التجارية المحيطة بك ومثلها من رسائل الترحيب من هواة التعارف الذين تصادف تواجدهم بقربك في ذلك الآن بغض النظر عن رغبتك في التسوق أو إقامة المزيد من الصداقات ذلك اليوم!

لكن خدمات الاتصال اللاسلكية لها العديد من التطبيقات المفيدة كذلك. فخدمة تحديد الموقع سالفة الذكر تعني انتهاء مشاكل الضياع في الشوارع والحصول على خرائط آنية للطريق بين نقطتين. وتهدف بعض المشاريع لتزويد الحافلات بنقاط بث Wi-Fi لاسلكية تتيح لركاب الحافلات الفرصة لقضاء أعمالهم عبر الحواسيب المحمولة وتشجع المواطنين على استخدام وسائل المواصلات العامة. وهذه الحافلات ستعمل كذلك كمحطات بث تخدم المقيمن في مناطق تنقلّها كذلك. أفكار لاسلكية أخرى تتضمن تخزين البيانات الشخصية والصحية للأشخاص في رقاقات الكترونية خاصة تتم قراءتها من قبل رجال الشرطة والإسعاف المارين بالمنطقة. وهذه ستفيد في حال وقوع الحوادث أو ضياع الأطفال عن ذويهم. كما يتم تطوير تقنيات تستخدم المستشعرات اللاسلكية (Sensors) لمتابعة نشاطات أجسام المرضى وكبار السن وإرسال تنبيهات لاسلكية فورية لمراكز الإسعاف عند حصول أي طارئ. وذات الفكرة تفيد في حالة اشتعال حريق أو حصول أي حادث يمكن رصده الكترونياً. كما ستساعد تقنيات الاتصال الطلاب في تبادل المذكرات والواجبات آنياً داخل الحرم المدرسي عبر أجهزة حوسبة واتصال لاسلكية هي بمثابة حقيبة المستقبل المدرسية، وكذا لأجل استعراض محتويات المكتبات ولتسليم الفروض وتلقي النتائج من مدرسيهم. وبالمثل توفر الاتصالات اللاسلكية الآنية طريقة مريحة للتواصل بين موظفي الشركة الواحدة ولتبادل التقارير والاجتماع عن بعد. ولا شيء يمنع من استغلال مثال التسوق عن بعد على نحو إيجابي وتنفيذ عمليات الشراء عبر الأجهزة اللاسلكية المحمولة بدون الدخول للمحال التجارية مما سيوفر الكثير من والوقت.. لكن ليس من المال! وفي المجال الترفيهي يمكن التقاط البث التلفازي لاسلكياً وهو ما أعلنته شركة Samsung في جهاز جوالها المقبل مؤخراً. وبتخيل تزويد كاميرات الفيديو المنزلية بالقدرة على الاتصال بالشبكات اللاسلكية فإن أياً منا يمكنه أن يصور فيلمه ويذيعه على الهواء مباشرة ليشاهده من يمتلك الحق في التقاط تلك القناة اللاسلكية تحديداً. وهكذا فلا توجد حدود للمدى الذي يمكن الاستفادة به من تقنيات الربط اللاسلكي، وإن كانت هناك الكثير من التساؤلات حول الأثر الذي قد يخلفه كل هذا الاعتماد عليها.
مظاهر للغزو اللاسلكي
توضح الأمثلة التالية المدى الذي قد تنتشر به التقنيات اللاسلكية وتتفوق على وسائل الاتصال التقليدية في بعض الأحيان.
ففي هيرميستون الأميركية، وبعد أن ملّ سكان هذه البلدة الواقعة في ريف أوريغون الذين لا يزيد عددهم عن الستة عشر ألفاً من تجاهل شركات الهاتف لهم، قام أحدهم بتأسيس شركة وفّرت غطاء لاسلكياً لكامل مساحة المقاطعة البالغة ستمائة ميل مربع. صاحب الشركة قام باستعراض كفاءة التغطية بأن استقبل بثاً حياً لفيلم (سيد الخواتم) على حاسوبه النقال الموضوع على مقعد الراكب فيما هو يقود سيارته بين شوارع البلدة.
وفي عاصمة الضباب لندن، عانى رجال الشرطة من عمليات بيع المخدرات التي تتم خلسة عند مداخل المتاجر المزوية عن شبكة كاميرات المراقبة الأسطورية المنتشرة بالمدينة. وعلى إثر تزويد مصابيح الإنارة بحي (سوهو) بكامريات لاسلكية دقيقة تتيح تغطية الزوايا الخفية، تم القبض على عدد من حالات البيع متلبسة بالجرم. وتوفر الكاميرات اللاسلكية هذه صوراً ذات جودة تتيح تقديمها كأدلة في المحاكم، كما يمكن نقلها بين المواقع بسهولة توحي للمجرمين أن كل شبر من الحي تتم مراقبته على مدار الساعة.
أما طوكيو فهي تمثل أكبر حالة هوس بالهواتف النقالة على وجه الأرض. ويمتلك اليابانيون عموماً 82 مليون هاتف نقال عشرون بالمائة منها متصلة بخدمة الانترنت عالية السرعة. كما أن خمُس الهواتف النقالة هناك هي من الجيل الثالث المتطور (G3)، ويتوقع أن كل سكان طوكيو الذين يبلغون الثانية عشرة فما فوق يمتلكون هواتف نقالة. يعد هوس المراهقين بهذه التقنية المحرك الأول لجهود مراكز الأبحاث لتقديم خدمات أفضل وصيحات أحدث. من ذلك آلات التصوير المدمجة التي ظهرت لترضي ذائقة شباب طوكيو قبل أن يتم تعميمها على باقي سكان الأرض بعد ذلك.
المستقبل ليس كله باهراً
بالرغم من كل الحماسة التي تروج بها شركات الاتصال للخدمات اللاسلكية من قبيل الواي فاي والبلوتوث، إلا أن واقع السوق يعكس نمواً لها بأقل من المتوقع. ولعل السبب في ذلك مرده للمنافسة الداخلية بين هذه التقنيات والتي تشتت تركيز المستهلكين. كما أن اعتماد نظام مثل الواي فاي كأداة اتصال رئيسة عبر مدينة بأسرها قد يكون مكلفاً بالنظر لعدد النقاط الساخنة الواجب إنشاءها. ويتوقع أن تذوي هذه التقنيات مع ظهور أخرى أفضل منها مستقبلاً بالرغم من الانتشار النسبي الذي تحظى به الواي فاي حالياً. وكما قال (كوبر) “فهي تشبه أكشاك الهاتف القديمة. كل الناس الآن لديها هواتف، والأكشاك اصبحت عديمة الجدوى، وهذا ماسيحدث لهذه التقنية لأن أنظمة متطورة رخيصة الثمن للأتصال بالشبكات ستظهر لاحقاً”.
WI-FI هي تقنية ذات شعبية متصاعدة لربط الأجهزة ببعضها وبالشبكات الأخرى كذلك. تعرف أيضاً بتقنية 802.11 نسبة للمعيار القياسي الذي يحدد خصائصها والصادر عن معهد الالكترونيات والهندسة الكهربائية IEEE.
BLUETOOTH اللقب (ذو السن الزرقاء) يعود في الأصل لملك أسطوري من التراث الاسكندافي. تستخدم هذه التقنية لربط الأجهزة الالكترونية (كالطابعات والحواسيب) ببعضها لكن مدى بثها هو نحو خُـمس مدى الواي فاي.
GPS اختصار لعبارة انجليزية ترجمتها (نظام تحديد الموقع العالمي). تستخدم هذه التقنية التي بدأت كمشروع عسكري 24 قمراً اصطناعياً توفر معلومات دقيقة حول موقعك على سطح كوكبنا على مدار اليوم.
3G الجيل الثالث من المعايير القياسية للبث اللاسلكي بواسطة الهواتف المحمولة. يعتبر مثالياً لتبادل ملفات الفيديو والموسيقى بمعدل بث يتراوح بين 128 و 384 كيلو بت في الثانية.
SMS اختصار لعبارة انجليزية ترجمتها (نظام الرسائل القصيرة). نظام هو بمثابة البريد الالكتروني للهواتف المحمولة.
WINMAX نظام فائق السرعة وذو مدى بث واسع يتوقع أن يستغل لربط مواقع العمل والمنازل لاسلكياً حيث يتعذر مد كابلات الاتصال.
VOIP اختصار لعبارة انجليزية ترجمتها (بروتوكول الصوت عبر الانترنت). تحل هذه التقنية تدريجياً مكان خدمة الهاتف التقليدية وبالذات في المواقع المزودة بتقنيات الاتصال ذات النطاق العريض (Broadband).
تقنيات لاسلكية شائعة*