الأحد، 19 أغسطس، 2012

المازوخية:عذبني من فضلك

   من الصعب الإحاطة بكل خبايا النفس البشرية.. إنها شديدة التعقيد في بنائها،شديدة الإعوجاج في دهاليزها..ظاهرها غير باطنها أو سطحها هو انعكاس محرف لقاعها..وقاعها بعيد الأغوار معتم في معظم جنباته يتوه فيه فيه الباحث عن الحقيقة والمفتش عن الأسرار.

هناك من يبحثون عن الألم الفعلي الذي يجعله يصدر صوته وتعبيرات وجهه وعلامات توحي أنه يتألم كارها وأنه يريد التخلص من هذا الألم،ولكن في حقيقة الأمر فإن هذه هي صرخات اللذة وتعبيرات النفسه المفعمة بالسرور..فهي الساعي إلى الألم، المشتكي منه ظاهريا والراضي به باطنيا.

   تلك هي المازوخية..وتلك هي الشخصية الباحثة عن الهزيمة والإحباط والفشل والمهانة والذل والعذاب والألم؛ وقد يرتبط الأمر بالجنس،وقد يكون بعيدا عن أي إرتباط بالجنس، بل إن هناك من الشخصيات التي تسعى للإصابة وذلك بكثرة تعرضها للحوادث ويسمى ذلك بالإستهداف للحوادث.. وذلك أيضا شكل من أشكال المازوخية أي هو يستعذب الألم الناجم عن إصابته في حادث.

   يبدو أن الأمر يرتبط على نحو ما بالشعور برابطة ما بين الألم والجنس.. فالألم هنا يكتسب معنى جنسيا حيث يسبق الشعور باللذة أو يكون هو ذاته باعثا على اللذة ومحركا لها، وبذلك تصبح المعاناه شرطا ضروريا للحصول على اللذة الجنسية.. كيف نشأ هذا الإرتباط..؟ هل هو إرتباط شرطي على مستوى قشرة المخ..أي على السطح حينما ارتبط الألم في مرحلة مبكرة من العمل بالحصول والشعور على اللذة..أي أنه ارتباط كامن في اللاشعور منشؤه عدم فك الإشتباك الأوديبي واستمرار الصراع، فتتحول الفتاة إلى البغي ويتحول الرجل إلى القواد‘ أو يلبسان قناع المازوخية حيث يكون الألم عقابا على الشهوات المحرمة تجاه الأب أو الأم.. أي حين يستشعر الرغبة الجنسية لابد من ألم يسبقها ليحركها ويصاحبها، فلا جنس دون ألم حتى يصبح الألم بعد ذلك مصدر للمتعة.

   إنه مجرد إبتزاز لتعاطف وحب الطرف الآخر.. فهو الذي حرك الطرف الآخر ليعذبه ويؤلمه وبذلك جعل منه متهما وتحول هو إلى ضحية..والضحية باشتداد ألمها تحرك عواطف المتهم القاسي وتجعل فؤاده يرق وبذلك تحصل على حبه،وتكون المعادلة الألم في مقابل الحب..اجعلني أتألم ولكن إشملني بعطفك، فلتدم جسدي ولتكوي روحي ولكن اجعلني أنظر لعينيك فأرى حبا وحنانا!!
فنفسه المريضة تطلب وتنادي:
(عاقبني بإشتهائي المحرم لك ولكن إبقى على عطفك وحبك لي الذي أعيش عليه).

    هذا الإنسان المثقل بالألم والذنب والمتوقع للعقاب القاسي في أي لحظة يبادر هو بترتيب وتخطيط منه بتنفيذ"سيناريو العذاب" وبذلك يكون هو متحكما في توقيت وحجم العذاب؛ وليس الأمر كله جنسيا..فقد يكون السعي ليس إلى الألم الجسدي وإنما الألم المعنوي كالشعور بالذل والمهانة والحقارة والدونية والتفاهة، وهذه المشاعر قد تجلب لذة جنسية ولكن قد لا يكون لها أي صلة بالجنس..فالتقسيم الأمريكي الثالث للأمراض قد وصف بالتفصيل سمات هذه الشخصية التي أسماها الإنهزامية الذاتية..أي التي تسعى لهزيمة ذاتها وتهرب من كل فرصة تحقق منها نصر أو سعادة أو نجاح، بل هي تبحث عن المواقف والعلاقات التي تجلب لها تعاسة وعذاب..إنه يبحث عن سوء المعاملة فهو يستفذ الناس ليسيئوا معاملته؛ إذا وجد أن الأمور تمضي بسلام يساوره قلق وضجر وفتور؛ إذا صادف إحتراماً وتقديراً تبرمت نفسه وحاولت أن تشككه في صدق نوايا الآخرين؛ إذا قابل ترحيباً وفعل ما يوجب الإستحسان ضاقت واختنقت نفسه وجعلته يرى الترحيب سخرية والإستحسان استهزاء.. ولذا فإن أي فعل طيب يصادفه من الآخرين يحاول أن يقبله إلى إساءة ويمعن في تصعيد الأمور حتى ينقلب الآخرون ضده ويوجهون له-فعلا-الإساءة وساعتها تهدأ نفسه ويتلذذ وينعم.

   يحار الناس في أمره فكلما حاولوا أن يتلطفوا معه فإنه يجرهم جراً إلى الإساءة إليه وربما يدفعهم إلى إهانته، وإذا فشل في دفعهم إلى هذا المنزلق حاورهم بالألفاظ ووضع على ألسنتهم عبارات تحمل أكثر من معنى؛ ثم يختار هو المعنى الجارح له واعتبره صادراً عنهم ضده، بالرغم أنهم في واقع الأمور لا يعنون كل الذي تصوره هو، وكذلك يصطنع المواقف التي تضعه في موقف محرج ومهين لا يتناسب مع سنه أو مكانته أو ثقافته.. ولذلك فهو يجهض أي محاولة لمساعدته بل هو يستجيب لأي إنجاز حققه بالإكتئاب والشعور بالذنب ليفسد أي سعادة ويحصل بدلاً منها على الألم؛ فالشعور بالذنب يلازمه بل ويتعاظم بنفس قدر نجاحه وإذا أقدم طواعية على فعل الخير أو أي فعل طيب فإنه يبرره بالضعف والخوف وعدم وجود النية الخالصة، وهو أيضاً يجعل الآخرين وخاصة المحيطين به والمقربين إليه يشعرون بالإحباط وأيضاً الغضب لأنه لا يبدي أي رضا أو سعادة لما يحاولون أن يفعلوه من أجله لإرضائه، بل هو دائم عدم الرضى والسخط والتقليل من جهد الآخرين واتهامهم بالتقصير وإذا كان هناك سرور عام يشمل المجموعة فهو يتعمد إفساده حتى يتهم بأنه مصدر المشاكل وهادم الأفراح.

   وبالبرغم من إمكانياته وقدراته فإنه لا يفعل شيئاً من أجل نفسه وإذا بدأ شيئاً لا يتمه، بينما نراه أحيانا يقدم خدمات فائقة للآخرين من واقع خبراته ولكنه يحيط نفسه دائما بالفشل والعجز لكي يتحقق له في النهاية الشعور بالإحباط، وهو يفقد حماسه لمن يهتمون به أو يحيطينه تقديراً أو من ينجذبون له ويهرب منهم ويمل من شدة الإهتمام، بينما يحترق شوقا لمن يهملونه ولا يتجاوبون معه، ومن يديرون له ظهورهم ويجد هو في البحث عنهم واللحاق بهم والتقرب إليهم، حتى إذا بدأوا في الإهتمام به إنصرف عنهم..وقد يقدم على تضحيات كبيرة من أجل الآخرين،تفوق إمكانياته وترهقه..تضحيات يقدمها تطوعاً وتسبب إندهاشاً أو حرجاً للآخرين لعدم توقعهم هذا القدر من العطاء!! ومن بعد أن يبتلعوا الطعم ينقلب ضدهم ويذكرهم بأفضاله وتضحياته ويضغط عليهم حتى ينفجروا ضده غير عائبين بما فعل من أجلهم بل وساخرين مما فعل، وبذلك يكون قد حصل على بغيته وهو التدليل على صحة المثل القائل "إتق شر من أحسنت إليه".
    أي مشكلة نفسية غائرة يعاني منها هذا الإنسان وأي جرح قديم مازال ينزف!! ما سر هذا الإعوجاج الخطير الذي أصاب تلك النفس والمهانة بدلاً من الإحترام والرفعة!! أي سر وأي معنى في إنقلاب الأمور، هل هو عدم الثقة بالنفس أم الحساسية الزائدة والشعور الدائم بالإضطهاد والذي يبحث له عن أدلة.
   هل نحن أمام سمات لشخصية معينة أم أعراض لمرض لم يظهر بعد ولم يتحرك منه إلى السطح إلا تلك المظاهر الغريبة.. هل هذا الخلل من البناء النفسي موروث أم مكتسب بفعل أحداث جليلة مرت على صاحبنا في طفولته وحفرت آثارها السلبية في داخله وعطلت نموه ونضجه النفسي فظل ثابتاً عند مراحل أولية في النمو النفسي تتسم بارتباط الألم باللذة والمهانة بالرضا والقبول؟! هل هي مازوخية محضة أم تنطوي أيضاً على سادية، إذ هو يجعل الآخرين يشعرون بالإثم لأنهم المتسببون في عذابه وألمه!! وهل يمكن أن تجتمع السادية والمازوخية معاً في شخص واحد..؟ هل هو الجلاد والضحية معاً في شخص واحد؟؟
    الضحية تريد أن تتفانى في الجلاد وتذوب فيه وتصبح جزءً منه..المازوخية معناها الجسدي ومعناها المعنوي هي محاولة للذوبان في الطرف الآخر ويكون الثمن ذلك الخضوع الكامل؛ أي يكون الخضوع شرطاً لتحقيق خضوع معنوي بحيث يشعر مريض الخضوع أنه لا حياة له ولا قيمة له ولا أهمية ولا وجود إلا من خلال الطرف الآخر.
-أنا لا شئ بدونك.
-حين أصير جزءً منك فأنا كل شئ.
-أنا لا معنى لي بمفردي.
-حين أصير جزءً منك فلقد حققت المعنى من وجودي.
-أنا بذاتي المستقلة لا أعني شيئاً بالنسبة لك..ولذا فأنا أخضع لك خضوعاً كاملاً لأصير جزء منك حتى أصبح قادرة على إثارة اهتمامك.

    وليس هذا حب..فالحب لا يقتضي من أحد الطرفين أن يشعر بتفاهته وضآلته قياساً إلى روعة وجلال وإكتمال الطرف الآخر، إنها حالة من الوله سرعان ماتتحول إلى مازوخية حيث تتحقق اللذة من خلال الألم المادي والمعنوي بالخضوع الكامل والذي بالقطع يحرك الجزء الساديتي الموجود لدى الطرف الآخر ولدى أي إنسان؛ وفي الخضوع ملامح من المشكلة الأوديبية حيث يحب الصغير الكبير ويحب الضعيف القوي وحيث لا يملك الا الخضوع لعله يستثير اهتمام الطرف الآخر المنصرف عنه.

                                          تحليل الدكتور النفسي"عادل صادق"