الخميس، 7 مارس، 2013

مفتاح الحظ


الحظ:-

  كلمة شائعة يستعملها كل الناس في مواقف معينة، وظروف نفسية خاصة، يوضحون بها ما طرأ، ويبررون ما وقع ويفسرون سيراً لزمن بها إن سلباً وإن إيجاباً وفقاً للرغبات التي تجيش في نفوسهم، والأغراض التي يحلمون بتحقيقها أو لا يحلمون.
  ولكنهم ينقسمون إلى مؤمن بالحظ وكافر به، كلما دعوا إلى التفكير المباشر في الحظ من حيث هو معنى أو واقع أو حقيقة، ولا أدل على هذا الانقسام من تقسيم الناس إلى محظوظين وتعسين، دون إيضاح لأسباب الحظ والتعاسة.
  إن الحظ نفسه معنى شخصي صرف، ولذا كانت التجربة الشخصية إطاره الذي يدور فيه، حتى إذا خرج عن هذا الإطار، وبرز في وضح النهارتلقاه الخارجون عنه، أي الناس مختلفين في النظر إليه، منقسمين في بيانه وتقديره وتفسيره.

علامات الحظ وآثاره:-

  عوامل النجاح كعوامل الإخفاق في نظر المفكر الذي يأخذ الوقائع بحقيقتها، ويدرسها غير متأثر بسيرها ونتائجها ولا فرق في الواقع بين المصادفة السعيدة التي يجني ثمرتها فلان المحظوظ، والمصادفة السيئة التي يصيب سوءها فلان التعيس، فالحادثتان وهما واحدة في أكثر الظروف لا تعنيان شيئاً إذا كانت المصادفة منشأهما.
  كان المتنبي يقول:"مصائب قوم عند قوم فوائد، وهذا يؤكد ما نسميه الحظ إنما هو واقع واحد يختلف نظرنا إليه بإختلاف وعينا للأحداث وموقفنا المعنوي منها، فالمصائب فوائد حين ننقلها بالفكر من قوم إلى قوم.
  يمكنك أن تعكس  الآن ولاتخطئ، في أن تقول: الفوائد مصائب حين تنقلها بالفكر أيضاً من قوم إلى قوم، ولا تعدم أن تجد في الواقع مصداق هذا الفكر الذي ينقل الأحداث وآثارها من فرد إلى فرد أو بيئة إلى بيئة أو من جماعة إلى جماعة.
  إن الإرادة عنصر فعال جوهري في بناء الحظ من جهة ثم توجيهه من جهة ثانية، ذلك بأن الإرادة تخلق لصاحبها جواً غنياً بالفرص والمناسبات السعيدة وتجعله يتقلب من اعتبار الناس واحترامهم في محيط مفرح بهيج؛ لأنها تمكنه من السيطرة على نفسه ثم على ظروفه وتفسح في المجال أمامه لاجتذاب الآخرين والإفادة من ظروفهم لخدمتهم، فإذا فعل تلقى الرد بخدمات مماثلة لشخصه أي أن يحاصر الحظ ويطوقه تطويقاً شبه عسكري بما ينال الآخرون من حظ على يديه.
  المحظوظ يكون عادة هادئ مطمئن صامت بشوش متأمل مفكر، يعمل ناشطاً ويصغى متفهماً، وإذا عامل غيره كان متسامحاً وإذا أخطأ اعترف بالخطأ وإذا أُستشير نَصح وإذا أُوذي في حقه أو كرامته ثار ولم يسكت على الضيم، فهو ينظر لنفسه من خلال المصلحة العامة ولا تحول أنانيته بينه وبين الحقائق؛ كما أن موقفه العام من الحياة يرتدي طابع الكرم والجرأة والإنصراف.
  أما سئ الحظ.. فإنه قلق مضطرب متشائم، قليلاً أن يقر بالمُثل العليا أو أن يؤمن بوجودها ونادر ما يتسامح مع غيره أو يحاسب نفسه أو يندم على خطأ ارتكبه حتى في سره، وإذا عُورض في رأي أو إنتُقد في تصرف رمى معارضيه وناقديه بالتهم المزرية وأنزل عليهم اللعنات التي لا يبررها مبرر ولا يرضى بها عاقل.
  هذا التناقض بين نفسية المحظوظ ونفسية سئ الحظ يدل وحده على أن الحظ محصلة ظروف نفسية وصفات أخلاقية ومعانِ أدبية  وشمائل ومزايا شخصية يسوء إذا كانت حسنة.
  ولا يذهب الظن بنا أن الحظ يأتي للبارعين والعلماء والعباقرة الملهمين خاصة، فإن تلك الظروف والصفات والمعاني والشمائل التي نتحدث عنها إنما تحدث لصاحبها، إذ تحدث بشكل عفوي خالص لا أثر فيه للتكلف والصناعة والصياغة.
  إن المحظوظ من الرجال هو الذي يحسن تدبر العواقب ويدرك المصير ويتلافى ضربات القدر ويجذب المصادفات السعيدة، كما يُحسن الهرب من حبائل المكائد وخدع الأيام؛ فالأغلب الأعم هو أن يكون المحظوظ يسير في طريق حياته لا يلوي على شئ، فكم من مخترع كبير ومكتشف عبقري وفنان موهوب قضى أيامه في بؤس وبلاء؛ بينما تجد كثيراً من الجهلاء والغافلين يحيون حياة النعيم والترف.. إن كان لهذه الأحداث التي يعج بها كل جيل وعصر من معنى، فمعناها ألا يصح اعتبار الذكاء الأداة المثلى للسيطرة على حوادث الحياة اليومية وتفهم تيارها وتوجيه مجراها.

المعرفة والحظ:-

الإيمان كالثقة، أساس في اجتذاب الحوادث السعيدة، ووسيلة إلى الوقوع اللاواعي على فرص تؤدي إلى النعمة والتفوق والثروة، أي على الحظ بكلمة واحدة. ولكن الإيمان أنواع، فمنه ما هو محض تقليد، ينشأ إذ ينشأ نتيجة جو إجتماعي لا يملك العائش فيه إلا أن يأخذ بموخيلته، ويجري وفق مبادئه، ويتشبع بالأفكار التي تغمره، دون أن يكون له رأي مباشر في تكوينه، أو حيلة في دفع حدوده وقيوده، وهنا يكون صاحبه عرضه للإضطراب لدى أول إصطدام مع المحيط، وعند أول تغير يطرأ على الحياة الإجتماعية، وهذه تتغير دوما مع الزمن، وتتطور مع الأحداث، وتتحول النعمة إذ ذاك إلى نقمة، والسعادة إلى تعاسة.
ومنه ما هو نهاية بحث، وخلاصة تجارب ينتهي إليه صاحبه بمجرد تأملاته ودراساته ثم لا يزعزعه بعد شئ، هذا الإيمان يرتفع بنفسه فوق الخطوط والمصادفات والأحداث‘ ويسمو على التقلبات والتغيرات، وينتصر على العقبات والعراقيل من كل جنس ولون وهو ذاته في نشوئه، في حصوله أو وجوده ضرب عالٍ من الحظ الذي لا يناله غير الصفوة من الملهمين، والأخيار السعداء ممن أوتوا العزم والصبر وسعة الأفق وسكينة النفس وصفاء القلب وراحة الضمير.
ذلك يعني أن الإيمان الحقيقي الذي يفضي إلى حظ حقيقي، مرتبط أوثق الإرتباط بالمعرفة لا فكاك له منها ولا فكاك لها منه..والمعرفة غير العلم فإنها ذات صفة إنسانية شخصية، بمعنى أنها لا تكون إلا لإنسان وفي جانب محدد من الجوانب، أو في عدد معين من الجوانب..لذا كانت الثقافة النفسية -أي الإحاطة بقوانين السلوك وطرائق التفكير وقواعد الحياة الإجتماعية الأساسية- من أكبر العوامل على تحسين حظ الفرد وتوجيهه لما فيه خيره وإسعاده، لأنها تمكنه من معرفة ما يجهله من أسرار الناس وتعينه على تفسير سلوك غيره بما ينطبق على الحقيقة.

وهذه المعرفة تحصل بمختلف الوسائل والطرق والأساليب وتذوب في الطباع وتتمثل في أعمال عفوية؛ فهي من أجل ذلك غير واضحة ولا ملموسة ولها من الأسماء ما لا يعد ولا يحصى: الحس والذوق والإلهام والخبرة والدهاء والمرونة والحذق والإستنباط إلى آخر ما هناك من كلمات للتعبير عن معناها، والجوهر واحد هو معرفة غير واعية من نفسها بأمر أو موضوع.

توجيه النفس:-

  أن الحظ محصلة أوضاع نفسية وأخلاقية وإجتماعية وسياسية وضابط هذه الأوضاع كلها من ألفها إلى يائها هو النفس البشرية؛ منها تنبثق وبها تتفاعل وإليها تعود لتنبثق أوضاع جديدة تتفاعل بها النفس تفاعلاً جديداً، وهلم جر إلى ما لانهاية.
إن توجيه الحظ -حظ الفرد والأمة- منوط بتوجيه النفس، فمن أحسن توجيه نفسه وأدرك إمكانياتها وعرف خصائصها وميولها وأحاط علماً بها يميزها بما يدور حولها من قيم وأوضاع وأفكار وأخلاق؛ إستطاع أن ينفذ مع الزمن والجهد والصبر والإيمان والتفكير المتصل إلى نصيبه الأقوى والأمثل من النجاح والمجد والسعادة.. ولكن عملية توجيه النفس أضخم وأشمل ما يعانيه الإنسان من أعمال خلال وجوده، إنها تحتاج إلى الأخلاق العالية والمعارف الواسعة وجهود مركزة صادقة تستهدف خيراً وعدلاً.. لأنك لست قائم بنفسك بل أنت جزء من الكل وحلقة في سلسلة، فإذا أردت تحسين حظك وجب عليك لا محالة أن تحسن حظ المجموع وإذا إستهدفت توجيه نفسك أفضى بك المنطق إلى العناية التامة بتوجيه الآخرين في الوقت نفسه، أما الذين يسعدون بشقاء غيرهم ويبنون أمجادهم على جماجم الآخرين ويصلون إلى نجاح فيه عذاب الكثرة الساحقة من بني قومهم وخيبة أمل من حولهم فهؤلاء أتعس الخلق وأحط البشر، إذ لابد أن تدق ساعة الحقائق وتتمزق الأستار وينكشف المخفي وإذا بهم يهوون من العُلي الزائف الذي بلغوه من طرق الرياء والنفاق لتسحقهم الأقدام وتعتبر بهم الأجيال.
ليست الأخلاق إلا شكلاً من أشكال الحساسية؛ فهي مولود من مواليد النزعة الغيرية الفطرية المودوعة في طبيعة كل منا فهي مجموعة معاني وبذور مغروسة في كل مخلوق إنساني لا تلبث أن تتبرعم وتتفتق على وهج الحياة الإجتماعية وفيها تنمو وتزدهر وتبلغ ثمارها اليانعة في عواطف مثالية ومبادئ سامية وآراء مفيدة وأعمال صالحة.
العاطفة هي الأصل في كل خلق؛ فمن كانت عواطفه أنانية أو منحرفة عن اتجاهها العلوى لتغوص في الأوحال أو مضطربة في نموها واتساقها؛ بسبب اضطراب المجتمع جائت أخلاقه ضعيفة منحلة يحسب معها أن له فضل على الكون والناس وأن الدنيا حمقاء وأنه أشرف من غيره وأن من واجبه أن يرتاح ومن واجب غيره أن يخدمه ويسعده.. ومن كانت عواطفه غيرية حسب للآخرين حساب في كل قول وكل عمل وتحامى الأساءة إليهم وسعى نحو خيرهم وجهد في إرشادهم ونصحهم وأبى أن يعتدي على حرياتهم وكرامتهم؛ لأنه يشعر ويحس ويعلم أن غيره إنسان مثله فيرتقي به إحساسه إلى أعلى الدرجات ويكرس حياته كلها لمجتمعه، ومن هذه المجالات الواسعة والقمة العالية يطل عليه الناس ويطل هو على الناس فيعظم حظه بمقدار ما عظم حظ الناس إليه وينال منهم ثواب ما قدمت يداه، هذا هو معنى دوران الحظ على محور الأخلاق.
لابد لك إذن في بداية توجيه نفسك من تربية حساسيتك ما دامت الحساسية أصل في كل خلق:
* فكر دوما في إكتشاف الحقيقة قبل الحكم على غيرك.
* روض نفسك على السكوت فكثرة الكلام والثرثرة والخوض في كل حديث يعكر صفاء إحساسك.
* ترفه وتأمل وإسعد بالناس وحاول دائماً إسعادهم.
* ليكن همك في بناء المستقبل والإحتياط لمصالح الآخرين.
* إنبذ كل ما من شأنه أن يؤدي إلى عاقبة وخيمة.
* إحتفظ بالبشاشة فهي تروض شعورك وتصقل ذوقك الإجتماعي.
* اعلم أن لكل حادثة سبب أصيل فإرجع إلى الأسباب ولا تحكم على غيرك إلا بعد أن تدرك الأسباب الفعالة المحتمة للسلوك.
* كن جريئ في تحري الحقائق والبحث عنها ولا تتردد أبداً في البناء الإيجابي على أساسها.
* حاول دائماً أن تكون مدافع لا مهاجم في إقرار الحق ودفع الباطل.