الأربعاء، 21 نوفمبر، 2012

فلذات أكبادنا يستحقون الأفضل

 

    لحظة ميلاد لا نتذكر منها شئ لكنها لا يمكن أن تموت في ذاكرة الأم؛ فهي ترى كائن حي يفتح عيناه عليها في أول نظرة يتعرف بها على عالمه الجديد الذي هو بالتأكيد متسع بكثير عن جدار الرحم في داخل جوف أمه، فهذا الكائن بالتأكيد يكون في حالة من الشغف لكي يعرف من هي الإنسانة التي حملت روحه داخلها وأحاطته بدمائها وساعدت في تكوينه ونموه بحبل مرتبط بها يمثل له مصدر الحياة.. ولكن المؤكد لديها أن شوقه إليها يساوي محض هفوة من إستماتتها المحببة لها لكي تطمئن على طفلها قبل أن تفيق لذاتها إن كان أصابها مكروه؛ وعندما تضمه بين زراعيها يكون في حالة إفتقاد إلى سماع خفق نبضات قلبها التي إعتاد عليها خلال الشهور التي عاشها لا يدرك أي شي إلا تأكده التلقائي بأنه في أكثر مكان آمن يساعده على الإكتمال الذي سيصعب عليه أن يعوضه عندما يلقي في معاش الحياة الدنيوية التي سترهقه طعنات لن يفلت منها إلا أيضاً بالتواصل الروحي الذي سيستمده من والدته التي يصعب عليها طوال الوقت أنها وإبنها قد أصبحا إثنين وليس واحداً.

   قدر الحياة أنه يجب أن علينا جميعاً أن نرتاد حياتنا دون الإستناد إلى أمهاتنا بشكل خاص وأهالينا بشكل عام، العلاقة بين النضج والوحدة علاقة طردية فكلما كبرنا كلما زاد إستغنائنا عن أناس كثيرون لأننا نشعر أن قدراتنا تزيد من إعتمادنا الذاتي على خبراتنا السابقة التي تشكل كثير من الخلفيات العملية؛ فليس من الضروري تجاهل التقدم في العمر  لدى كل منا لكي نستطيع الحفاظ على الدلال والحنان الذي تعدونا عليه بعذر ضعف هيكلنا الصغير.. من المستحيل أن نجد فتاة ناضجة تلجأ إلى النوم بين والديها في فراشهم لكي تشعر بالأمان الذي ترغب فيه مثل الذي كان من السهل أن تجده في صغرها بسبب الخوف من النوم الإنفرادي ومن الظلام الكالح ومن العفريت القادم في الكوابيس! 

   مصدر الأمان نابع من إستسلام روحك وعقلك وجسدك لخالقك الذي بحق عظمته لن يسمح لأي أحد أن يمسك بمكروه إلا بإذنه؛ إذن فمما تخشى غيره؟ الحياة واسعة حولك يجب أن تحلق فيها للأعالي ويكون لك سبب ودافع نحو إمتلاك التفوق في كل مجالاتك التي تريد أن تخطو فيها لتمضي وتترك إسمك يلمع.. المطب هنا يكون في أن أسهل الطرق التي يسعى إليها الجميع هو أن يأخذ لنفسه نسخة مصغرة من خليط مركب من والديه لكي لا يجهد عقله في تشكيل شخصيته؛ ليجد أمامه مجلد من الصور التي تحمل العديد من المواقف التي تشهد على والديه في أخلاقهم ومبادئهم، يسعى إلى إتباعهم بالتقليد الأعمى وهو غير مستوعب في إعتقاده الداخلي أن عقله مستقل عنهم وروحه ملك لربه وليس لهم وقلبه ينبض من أجل معيشته وليس معاشهم لذا يجب عليه أن ينتقي منهم الصالح له ويترك المضر مع كل تقدير وإحترام لهم؛ فيجب علينا جميعاً أن نقدر أننا أغلى ما يمتلكه والدانا فهم ليسوا ملائكة من السماء بل هم أناس تعرضوا لكثير من المشاكل والخبرات البائسة والتي لن نمر بمثلها لأننا لن نعيش في نفس الزمن الذين عاشوه.. هم غير مذنبين في حقنا بأنهم ليسوا مثاليين المثالية الكاملة طالما أنهم يسعون من أجل حياة أفضل لنا وإن كانوا يعرفون أكثر مما تعلموا لكانوا قدموا لنا الأكثر لأننا نمثل لهم أمل الحياة.

    مملكة الطفولة أكثر من رائعة بتميزها بالبراءة والعفوية والتلقائية والمرح والبساطة ولكنها مثل بيوت الرمال سيأتي يوم وتنتهي؛ حيث نشأت على التخازل والجهل والتواكل والتبعية والضعف والإنطوائية والعند وكثرة البكاء وقلة الحيلة.. الواجب عليك أن تضع في إعتبارك بأن أول حدث منحك الإستقلالية فور ولادتك هو قطع الحبل السُّري الرابط بينك وبين الرحم الذي كان يأويك لتتحمل بدائيات مسؤولياتك من الأكل والشرب والإخراج، هذه هي سُنة الحياة التي تجعلك تصنع منا آباء وأمهات فور بلوغنا ونحن نجهز أنفسنا لهذه المهمة لكي نُنشئ جيل يعقبنا ويُكمل رسالاتنا بعد وفاتنا ويهب لنا الخُلد من نسلنا.. ولكن هل نحن مستعدين لهذه المهمة؟ هل نستحق أن  يخلق الله-سبحانه وتعالى- منا بشر يحملون عناصرنا الخلقية؟ هل سنكون لهم قدوة صالحة يفتخرون بنا أمام أنفسهم قبل الناس؟ هل سيصبح حالهم أفضل منا إن قدمنا لهم كل طاقاتنا؟ هل لدينا القدرة أن نغرز فيهم الأخلاق الراسخة التي لن ينزعها أي شيطان من الإنس أو الجن؟ هل سنقيهم من أي هواجس قبل أن نراهم حقل من الأمراض النفسية؟ هل سنجعل الوصول إلى الله-عزوجل- هدف قوي لإرضاءه؟ هل سنجعلهم يحافظون على صحتهم من الطعام المقدم لهم والرياضة التي يمارسونها بدوام؟ هل سنملأ عقلهم بكل جديد من العلوم والمهارات لنعزز من قدراتهم؟ هل سنقتل لديهم لحظات اليأس واللامبالاه في أوقات الفراغ؟ هل سنوازن لديهم الرحمة والكرامة لنعلي من إنسانيهم؟ هل سنمهد أمامهم طريق العطاء وهدم الأنانية التي تخلق بداخلهم شيطان؟ هل سنعلمهم كيف يتحدون وساوس النفس ويتحكمون في غرائزهم لكي لا يغرقوا في الشهوات الحيوانية؟ هل سنضع في قلبهم مجلس من الحكمة يديره القاضي المتربع في عرش عقلهم؟ هل سنرسم على شفاهم الإبتسامة الحقيقية التي تبعث بهم القدرة الفائقة على تحمل الصعاب؟ هل سنشحن إليهم روح التحدي والتماسك التي تجعلهم يصمدون أمام طعنات وتحديات الحياة؟ هل سنضع بداخلهم مخزون من الطاقات المتجددة لكي يكون من المستحيل لديهم الوصول للإنهيار؟ هل سنأمن لهم أساليب الريادة التي تجعل المال وسيلة وليس غاية يمكن أن تجعلهم أذلاء لرغبات التملك؟ هل سنغذي بداخلهم رغبة المعرفة والتطلع لدى الإستكشاف والقراءة والثقافة وترتيب عقولهم عندما تكون مزدحمة؟ هل سنجعل منهم كيان من الخير يعيش في طاعة الله-عزوجل- ونجعل العبادة لديهم لذة وضرورة وليست فرض بلا سبب مقنع يجعلهم يملونها؟ هل سندير داخلهم قوة الجذب التي ستجعلهم محبوبين من الجميع بصدقهم وثقتهم الواقعية؟ هل سنعلمهم الرضاء والمرونة التي تجعلهم كالزئبق الذي ينفذ من أي عقبة يمكن أن تعطله؟ هل سنكون صالحين في أعينهم ونكون حاملين راية الخير المكافحين للشر في كل أفعالنا أمامهم؟ هل سنتقبلهم دون المقارنة بينهم وبين أبناء الآخريين ونقدم لهم الأعذار التي لا تجعلهم يحقرون من أنفسهم؟ هل سنبقى في قلوبهم بكل ما فعلناه في حياتهم من تأثيرات إيجابية حتى بعد وفاتنا وسيداومون بالدعاء لنا بدل أن يقولوا سحقاً لنا؟

   كل هذه التساؤلات يجب أن نضعها أمام أعيننا قبل أن نتلهف الزواج والإنجاب؛ المسؤولية الملقاة على عاتقنا ليست بسيطة ولكنها قيمة وستغمرنا بسعادة تحقيق رسالة مقدسة تجعلنا نملك عظمة يعترف بيها إبليس اللعين الذي يسعى خراباً ليتحدى إلاه العالمين الذي يتحدى بالبشر كل من تمرد عن ملكوته.. المتعة تكمن في أن نرى أمامنا كيان بشري مخلوق من جزء منا بمعجزة من خالقه ويكبر أمامنا يوم بعد يوم وهو خير شاهد علينا يوم القيامة؛ فأطفالنا صفحة بيضاء نحن ندون فيها ما نريد ولكن الصعوبة أن ما ندونه في البداية لا يمكن أن نمحيه إن أخطأنا سيظل أبدياً في ذاكرتهم فهم ليسوا مجال للتجارب وليسوا دمى تصلح للعب والسخرية، أطفالنا عالم آخر واسع المجال وخطواتنا فيه تجعلنا نكتشف فيه كل حين كنز قيم من خلق الله-عزوجل- الذي لا يخطأ أبداً.