الاثنين، 12 نوفمبر، 2012

ركود بلا مبرر

    الأيام تتكرر بنفس تفاصيلها كما لوقمت بتصوير اليوم الواحد عدة نسخ بمكينة طباعة؛ تستيقظ دون ميعاد محدد وأنت تنتظر في فراشك مدة غير مفهومة تكون خلالها تحاول أن تقنع نفسك بأن لا يجب عليك أن تستيقظ لأن لا يوجد سبب محدد يجبرك  على ممارسة يومك، بل أن من الممكن أن لا تجد أحد من أهلك يقول لك "صباح الخير" إما لأنه لا يعري أي إهتمام بوجودك في المنزل أو لأنك تستيقظ في وقت المساء الذي لا يمكن أن يقال لك فيه "صباح الخير".

   أنت تحب الملل الذي تلتزم به يومياً؛ لا أحد يجبرك على أن تفعل تقوسك المقدسة التي تزيد من عدد النسخ ليومك التقليدي.. تفضل دائماً أن تحتفظ بقدراتك وإمكانياتك داخل خزينتك المقفلة لفترة طويلة والتي يمكن أن تظل مقفلة حتى تنسى ما بداخلها! بسبب عدم إطلاعك على ما بداخلها وعدم إستخدامك لأي نعمة أنعم الله-عزوجل- عليك بها فتحتفظ بمخزونك من النعم وتضعه في خزنتك دون أن تراجع ما تخزنه بها، حياتك ستنتهي عاجلاً أم آجلاً إذن لماذا تتعامل معها كأنها مستمرة إلى أجل غير مسمى والخطورة أنك لا تعلم متى ستموت وبما أن موتك هو الحقيقة الوحيدة التي تكتمل مصداقيتها كمال تام؛ إذن فما هو الأفضل لك.. أن تستغل جميع طاقاتك وتستنفذ كل قدراتك لكي تسمو بذاتك وتضع بصمتك في الحياة قبل أن ينتهي عمرك وتنتهي معه صلاحية كل النعم التي تحتفظ بها حتى تكون غير صالحة للإستخدام ووقتها لن يفيدك ندم الأموات والأحياء لكي ترجع بيوم واحد من أيام حياتك حين تكون في زمة ربك-سبحانه وتعالى-، أم تفضل أن ترتاح راحة الممات وأنت حي ترزق بالكثير مما لا تشعر بقيمته وتموت وأنت عبارة عن ورقة شجر ذابلة أطاحت بها الرياح في عاصفة خريف.

   وظيفة الذات السفلى داخل أي إنسان أن تجعله يتعمق في غرائزه وشهواته وأطماعه لكي تسحبه إلى قاع البهيمية الحيوانية وتبعده عن رقي السمات الإنسانية.. الذات السفلى والذات العليا دائماً في صراع بداخل كل منا فأول ما تقوم به الذات السفلى التي تستمد دعمها بداخلك من المشاعر السلبية والخبرات الفاشلة في ماضيك وإحباط الآخرين وتعجيزهم لك؛ هي أن تبدأ في أن تبعدك عن مكانك الأساسي في عمارة الأرض ثم تقيدك عن عبادة الله-عزوجل- فهاتان الوظيفتان هم سبب وجودك في الحياة التي أعطاها الله-عزوجل- لك.. فإذا تم إلهائك عن هاتين الوظيفتين واللاتي تعتبران من أهم المهام المقدسة في الأطراف المترامية من الكون؛ ستصل بالتأكيد إلى مرحلة ضياع الهوية وإفتقاد المعنى الحيوي للحياة وهذه هي مرحلة الإعدام التي لا يجب أن تصل إليها.

    وأقرب مثال على ذلك حياة الفنانة دليدا التي عاشت منذ طفولتها تعاني من ثلاث عقد أولهما فقر والدها وثانيهما تمردها على تقاليد المجتمع المصري التي عاشت فيه وثالثهما بحثها عن الحب.. كانت من أسرة محدودة المستوى ولم يكن لديها عائلة ملكية تتظاهر بها فكانت دائماً ترى في فقر والدها حجة قوية للتمرد على التربية التي تربتها وكذلك رغبتها الملحة في كسر الإطار الأخلاقي لها كفتاة مراهقة تعيش في مجتمع شرقي؛ مثل إصرارها على التقدم إلى مسابقة ملكة جمال مصر رغم رفض أبيها لما يشترط عليها في هذه المسابقة من ملابس شبه عارية وتصرفات مبتزلة مثل العروض المقدمة أمام لجان التحكيم، ورغم فوزها بتاج ملكة جمال مصر إلا أنها لم تشعر بالسعادة وظلت تتبع حلمها أن تكون ممثلة وهي لا تمتلك موهبة التمثيل ولم يتقبلها الجمهور في أي من الأفلام التي قدمت فيها دور مغنية الملهى الليلي، فكانت تغني تبعاً لرأي مكتشفيها وإرضاء لمنتجين فرنسا وليس رغبة في إشباع موهبتها.. فكانت غير محددة الهدف حتى في أعظم تجربة حب لديها مع حبيبها الأول الذي إستمر زواجها به عدة أشهر فقط بسبب أنها تركته من أجل تعلقها عاطفياً برسام فرنسي تركها وتزوج من أخرى؛ وعاشت بحق ذنبه في عذاب تأنيب الضمير لأنها كانت سبب إنتحاره! حتى في زواجها الثاني عندما رزقها الله-عزوجل- بالحمل ليكون لديها طفل قررت إجهاض نفسها لأنها تريد أن تستمتع بشبابها ولكي لا يتأثر جمالها وأصرت على قتل الجنين رغم تحذير الأطباء لها، وعندما إنتهى عشقها الثاني بالفشل حين أحبت مغني إيطالي في بداية طريقه وإنتحر أيضاً بسبب عدم حصوله على تقدير عاليٍ في مهرجان سان ريمو.. وقبلها كانت ستقرر الزواج به لرغبتها أن يصبح لديها عائلة وأطفال ولكن الطبيب أخبرها أنها أصبحت عاقر ويستحيل أن تنجب بسبب فعلتها السابقة حين أجهضت نفسها! فهي أصبحت كطيور النورس التي تتنقل من مكان إلى آخر مع مهب الرياح وتقلب الطقس فقد إنتهت حياتها بالإنتحار حين دخلت عليها خادمتها وجدتها جثة هامدة على فراشها بسبب تناول جرعة زائدة من عقار منوم وبجوارها ورقة مكتوب عليها:"سامحوني..الحياة لم تعد تحتمل ولا أجد معنى لوجودي".

   الأمر بسيط لا تجعل من نفسك قطعة ديكور ينظر إليها الناس وهي لا تحرك ساكناً؛ يجب أن تتابع إستخدامك لنفسك كي تدون سجل من الإنجازات يتجدد يومياً بالمزيد عندما تستهلك كل وقتك فيما لا تندم عليه، تقسم ساعات يومك حيث لا يزيد نومك عن عشرة ساعات بأي حال من الأحوال مع ضرورة أن لا تحرم نفسك من أجمل هواء تشتنشقه وقت الفجر والذي يجعلك تستمتع ببداية يومك مع دفعة قوية من النشاط، من أهم مبادئ الحكماء أنك إن كنت تتأخر في نومك وتتأخر في صحوك فأنت حتماً متأخر في نجاحك..صحتك..عقليتك..وفي كل نواحي الحياة.

   إنتباهك لمسؤولياتك يشعرك أنك محط إعتماد الآخرين وخاصة المقربين منك ويا لها من متعة أن تمثل مركز قوى من مراكز حياة الناس فأنت بالتأكيد تشارك في عمارة الأرض وبالتالي تحقق ذاتك وتشعر بأهميتك، وبضرورة مواظبتك على الإتصال الروحاني واللجوء لله-عزوجل- لتجد نفسك لا تتوسل ولا تتذلل إلا له وعندما تطلب العون والمساعدة لا يكون إلا له ولكن عندما تفعل كل ما بوسعك.. تخيل نفسك تلميذ صغير في المدرسة وأمامك حصة جديدة سوف يدخل معلمها بعد قليل؛ تفضل أن تكون على دراية كاملة بالكتاب وأدوات المادة الدراسية أنها معك وأنت تضعها أمامك وتجهزها للكتابة فور وصول أستاذك؛ أم أنك تكون جاهل لإسم المادة في الحصة التي عليك ولا تعلم إن كان أستاذها حاضر أو غائب ولا تعلم إن كان كتابها ودفترها معك أم لا؛ أم تكون خارج الفصل متعمداً لكي لا تحضر هذه الحصة لأنك لم تقم بالواجب المنزلي الذي فرضه عليك الأستاذ.. فهذه هي حالات إجتيازك لخطوات حياتك التي تتكرر يومياً وأنت غير جاهز لها، فلتستعد لكي تجهز نفسك للحالة التي تختارها.