الجمعة، 10 يناير، 2014

يأس عن غير عمد



  تتوالى الأيام لتصبح شهور وتتزايد الشهور لتكون سنين من السكون المميت الذي يبطل صلاحية الصبر، فأحياناً يتحول الإنسان من صبور إلى سلبي بفعل رتابة الصمت عن أي تصريح يبشر بالخير ويفرج هموم القلب، ربما يتحول القلب المنشغل بما لا يستطيع تفسيره من من أحاديث وأفعال غامضة.. ليكون قطعة من الحديد التي تحتوي على عدة إمبعاجات في ظل مكوثها على نار شديدة الإشتعال حتى أنها تحولت إلى حديد سائل أطفأ النار ذاتها بعد أن سال عليها، فليس من الطبيعي أن يظل إنسان منتظراً ليرى نتيجة الشواهد التي يتفقدها من ما يراه من القدر ولكن هذه النتيجة لا تأتي أبداً؛ وهذا على الرغم بأنه متأكد من دقة تفسيره لكل المواقف التي تتوالى بها الأحداث دون أن يكون موهوماً بإنتظار نتيجة معينة.. مالم يأتي في الحسبان أن تتحول أمنية غالية بالنسبة لإنسان يأس من تحقيق ما يتمناه إلى ذكرى قد تم إلغائها من سجل الأمنيات، فقد يشتعل قلبك قائلاً:" كفاني هذا الأمل الذي جعلني أتذوق مرارة العذاب على مدى سنين والموت الذي يذهق روحي في كل ثانية!".
   الحيرة كفيلة أن تجعلك تغرق في بئر من الخمول الذي يجعلك لا تريد أن تتقبل أي كلام يرفع من طموحك، فأنت يمكن أنت تصل لمرحلة من يأس يجعلك على أتم الإستعداد أن تهد المعبد على أصحابه مقتاً لضياع الوقت على حلم من السراب..الذي إستنفذ منك طاقة لن تمكنك أن تفرح إن تحقق لك هذا الحلم كما كنت تتوقع لأنك دفعت الكثير أكثر مما يستحق، الوقت لا شئ يهون أمامه فهو ما يعطي قيمة لعمرنا مهما زادت به المتاعب والجراح فيبقى الأمل عندما يكون هناك المزيد من الوقت، كي يعطينا فرصة لتصليح ما تم إتلافه في الماضي الذي كنا نفتقد فيه إلى عقل مترجح وخبرة موضوعية تدعم إختياراتنا ، وإن كان الوفاء يجعلك لا تحتسب ما فاتك من العمر في بعادك لتحقيق حلمك المنتظر فعلى الأرجح ستجد أنك تستقطع من عمرك سنين غالية لن تستطيع أن تسترجعها ثانياً، أصعب لحظة يتحول فيها كل شئ طيب إلى النقيد عندما يصل بك العذاب إلى قمته فأنت تتأكد أنك لن تتحمل شئ أكثر مما تحملته مسبقاً.

  اللحظة التي يخشى فيها الملاكم من خصمه –حتى وإن تغلب عليه- هي اللحظة التي يعتاد فيها على الألم فعندها يقاتل بإستماتة لأنه قد وصل من العذاب إلى منتهاه، فهذه هي المرحلة التي يصل إليها كل من إطمأن أنه سيحصل على ما يريد ثم يجد أن الغياب المديد قد جعل جميع الوعود مجرد سراب، فالنسيان الذي يتولد بتفعيل من اليأس والذي يولد سبب لكره الفراق وليس كره الأشخاص هو نتاج الكرامة الإنسانية التي وضعها الله-عزوجل- في عقولنا لكي نتميز عن بقية المخلوقات، فمن الطبيعي أن لا يصل التشبث بشئ لدرجة العبودية فهذا ما يجعلنا نفر من القيود التي نضع أنفسنا بها تجاه إستحالة الإستغناء عن حلم طال إنتظار تحقيقه، فالخوف يكون من انفتاح باب للتجاهل والبرود في نفس اللحظة التي ينغلق فيها باب الصبر والإنتظار فينقلب كل إحساس إلى النقيد، فلن يستطيع أي قلب أن يترد مشاعر قد دفنها وردم باليأس عليها ويكون الخوف من تجديد رحلة إنتظار لا تُطاق كفيل بإرتياب من عدم الضمان، حتى لا يسقط الإنسان ضحية لشئ لن يتحقق إلا بعد أجل غير مُسمى ليس به بيان واضح يبطل مفعول اليأس الذي يزداد مع الزمن.