الثلاثاء، 4 مارس، 2014

فوبيا الزواج





يعتبر الخوف من الزواج مشكلة شائعة عند المرأة .. وهو يفسّر حالات عديدة من فشل الخطوبة، أو الطلاق السّريع، وأيضاً يمكن أن يفسّر هذا الخوف عدداً من حالات العنوسة والتي أصبحت منتشرة بشكل واضح في مجتمعاتنا، وكثيراً ما نسمع عن انتهاء خطوبة ما بسبب تغيّر رأي الفتاة الشابة أو الأكبر سناً بعد موافقتها، وهي تقدم تبريرات واهية غير مقنعة..وكذلك تنتشر حالات الطلاق السّريع الذي يدوم أياماً بسبب رفض المرأة لزوجها بشكل مفاجئ .. وتكثر التفسيرات والتبريرات والاحتمالات، وبعضها مقنّع ظاهرياً لإسكات الناس وأقاويلهم، وبعضها فيه أذى وإيذاء لهذا الطرف أو ذاك، وبعضها مهذب أو غيبي مثل "إنهما لم يتفقا" أو " الزواج قسمة ونصيب " أو " لم يكتب النجاح لهذا الزواج ".. أو " أن عيناً أصابتها أو سحراً أو جناً " .. وبالطبع هناك أسباب أخرى معقولة ومفهومة للفشل السّريع للخطوبة والزواج بعد الموافقة عليه من قبل الفتاة مثل اتضاح معلومات جديدة سلبية لم تكن معروفة عن الرجل أو كذبه واحتياله أو أنّ الفتاة مرتبطة عاطفياً بشاب آخر وغير  ذلك ..





أكّد المختص النفسي سليم زرقاوي أنّ التفسيرات النفسية لحالات الخوف من الزواج عند المرأة ترتكز على نقاط عديدة تشكل خلفية وأسباب هذه المشكلة الشائعة ..ومنها:

..وجود عقد وصراعات نفسية داخلية عند المرأة تتعلق بعلاقتها بأبيها وأمّها 

 حيث نجد أنّ هناك تعلّقاً خاصاً بالأب وقرباً منه مع ابتعاد نسبي عن الأمّ وعن تمثلها داخلياً .. ويحدث ذلك لدى كثيرات ولكن تجارب الحياة المتنوّعة والتبصر النفسي يجعل مثل هذا الصراع والقلق الناتج عنه خافتاً أو مقبولاً أو مسيطراً عليه دون سلوكيات متطرفة غير مقبولة أو مرضية، حيث يمكن للمرأة عندها أن تتفهم حبّها لأبيها وتعلقها به وأن تتمثل جوانب في شخصية أمّها كأنثى مثلها ممّا يجعلها أكثر صحة وتوازناً من النواحي النفسية العميقة .. وأمّا عندما تكون هذه الصراعات حادة والفتاة تنحاز لأبيها وتتمثل أدواره بعيداً عن أمّها فالصراع سيبقى حاداً وخطراً ..ويمكن له أن يظهر على شكل خوف مرضي من الزواج وعند اقتراب الزواج تتغيّر المشاعر والآراء تجاه الخطيب أو العريس بشكل سلبي. حيث يمثل الزواج والحب إثارة لتعلّقها بالأب ومنافستها للأم .

وبالطبع فإنّ بعض الأساليب التربوية المنتشرة يمكن لها أن تثبت مثل هذه الصراعات وكذلك الأساليب التربوية الخاطئة حيث يدلّل الأب ابنته كثيراً ويقترب منها بشكل مبالغ فيه ، وكذلك عندما تنافس الأم ابنتها وتقسو عليها بشكل مبالغ فيه.. وغير ذلك ، وكلّ ذلك يطرح أهمية الوعي التربوي والنفسي وأهمية تعديل الأساليب الخاطئة .



ويطرح المختص النفسي في هذه الحالة وجوب المناقشة والحوار وتفهم التفاصيل وخلفيات الفتاة وتاريخها الشخصي والحديث معها حول ضرورة تعديلها لمخاوفها وقلقها وتفهمه والسيطرة عليه .. وربما يحتاج ذلك إلى وقت وجهد وفقاً للحالة .. والعلاج الشعبي الشائع إضافة لنصائح الخبراء تؤكّد على إعطاء الفتاة وقتاً للتفكير ثانية ومناقشة تبريراتها وإقناعها من قبل الأهل أو المقربين منها وأحياناً من قبل الاختصاصيين بضرورة تغيير رأيها والقبول ثانية بالخطبة أو الزواج مع ممارسة درجة من الضغط عليها .. ويمكن أن يفيد كل ذلك، وهو لا يفيد في الحالات الشديدة أو المترافقة مع أسباب أخرى.

..ضعف الذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي 

حيث يؤدّي نقص المهارات في القضايا العاطفية والانفعالية، ونقص مهارات التعامل مع الآخر والمهارات الاجتماعية المتنوعة، إلى حدوث قلق وخوف شديدين من الاقتراب من الخاطب أو الزوج .وتجد المرأة نفسها ضعيفة غير قادرة على فهم الرجل والامتداد إليه وهي تطالبه بأن يفهمها ويتودّد إليها دون أن توضّح له ما تريد، وكلّ ذلك يمكن أن يؤدّي إلى تغيرات مفاجئة في رأي الفتاة وإلى رفضها إتمام الزواج .

ويحدث ذلك بسبب نقص الخبرة والثقافة وفقر البيئة الشخصية من النواحي العاطفية والاجتماعية ومشكلات الأسرة المتنوعة .. ولابد من إعداد الفتاة عاطفياً واجتماعياً وزيادة مهاراتها وذكائها في هذه الميادين وليس في مجال الذكاء العام أو الدراسي فقط ..وفي التعامل مع مشكلة رفض الزواج أو الخطبة بسبب ذلك تؤكّد النصائح على تأجيل إتمام الخطبة أو الزواج " لأنّ البنت لا تزال صغيرة وجاهلة "، كما أنّ الحوار معها مفيد دائماً ويمكن له أن يخفّف من حساسيتها وقلقها ومخاوفها بعد الشرح والتطمين من قبل الأهل أو الاختصاصيين، ويمكن أن يفيد ذلك في عدد من الحالات، ولا يفيد في الحالات الشديدة التي تحتاج إلى وقت طويل لاكتساب المهارات المتنوعة .

اضطرابات الشخصية المتنوّعة أو وجود صفات عديدة من اضطراب الشخصية المحدّد أو أكثر من اضطراب، ومنها :

- اضطراب الشخصية الهيستريائية : التي تتميز بسطحية الانفعالات وتغيرها، وإثارة الانتباه والاهتمام والدلال، والاهتمام المفرط بشكلها الخارجي، وافتقار كلامها للتفاصيل والدقة واعتمادها على الانطباعية العامة والرأي السريع، والمبالغة في الانفعالات والأسلوب الانفعالي المسرحي المؤثر، والتأثر السريع والشديد بالإيحاء وآراء الآخرين أو ما توحي به الظروف، وهي تتصوّر أنّ علاقاتها حميمة مع الآخرين بينما هي أقل من ذلك واقعياً .



 - اضطراب الشخصية النرجسية : وتتميّز بالشعور المضخم لذاتها وأهميتها، وتضخيم إنجازاتها بشكل غير واقعي، وهي مشغولة بخيالات النجاحات غير المحدودة أو الجمال الفائق أو الحب المثالي غير الواقعي، وتظن أنّها استثنائية وشخصية متميزة جداً ولا تتعامل إلا مع الاستثنائيين، وهي تحتاج للإعجاب الشديد بها، والحصول على معاملة خاصة بها من قبل الآخرين والخضوع لرغباتها وتوقعاتها، وهي تستغل الآخرين لصالحها، وينقصها التعاطف معهم ومع حاجاتهم، وهي حسودة للآخرين وتظن أنّ الآخرين يحسدونها دائماً، وهي متعجرفة في سلوكها وأساليبها .

- اضطراب الشخصية الحدودية : والتي تتميز باضطراب علاقاتها مع الآخرين حيث تتميّز علاقاتها بشدّة الارتباط وكثافته، وبإعلاء الآخر مثالياً ثم تبخيسه وقطع العلاقة معه تماماً . وأيضاً تتميز باضطراب هويتها وصورتها عن ذاتها وهي لا تعرف من تكون أو ماذا تريد وتغير اهتماماتها وخططها بشكل مضطرب . وأيضاً الاندفاعية في سلوكيات مؤذية لنفسها مثل تجربة المواد الإدمانية أو الشره الطعامي أو القيادة المتهورة للسيارة . وأيضاً عدم اتزان انفعالي وردود فعل انفعالية شديدة أو قلق أو غضب أو تعكر المزاج بشكل دوري لعدة أيام، والغضب غير المناسب الشديد وعدم التحكم بسوراته أو الغضب المستمر، وأيضاً الشعور بالخواء الداخلي المزمن، والخوف الشديد من أن تكون منبوذة متروكة والسعي المحموم لتجنب ذلك، واللجوء إلى محاولات الانتحار أو إيذاء الجسم، وظهور أفكار شك عابرة مرتبطة بضغوط نفسية أو حالات من التفكك المؤقت للذاكرة أو الانفعالات أو الشخصية .



وبالطبع يمكن للشخصية المضطربة أن تتعدل ويحتاج ذلك للوقت والجهد والإقرار بالمشكلات الشخصية .. وبعض اضطرابات الشخصية يمكن أن يفيد فيها العلاج النفسي طويل الأمد كعلاج تصحيحي ، وأيضاً بعض العلاجات الدوائية .. وعموماً تبقى الوقاية خير من العلاج في مثل هذه الحالات ، ولابد من تخفيف الضرر والإيذاء الناتج عن تصرفات الشخصية المضطربة من قبل الأهل والأصدقاء والخبراء قدر الإمكان.

. الجهل العام بالقضايا الجنسية 

ويمكن أن يكون سبباً في الخوف من الزواج ومن المضي فيه ولاسيما عند الفتيات الأصغر سناً.. حيث يلعب الجهل بالقضايا الجنسية دوراً هاماً في زيادة القلق والتوتر والخوف . وتؤدي المعلومات الخاطئة إلى تشكيل الخوف المرضي وردود الفعل التجنبية والابتعاد المفاجئ والهروب من الزواج. ولابد هنا من تصحيح المعلومات بلغة مبسطة مفهومة من قبل الأهل والمقربين والخبراء، ولابد من تحسين الوعي الصحي الجنسي الصحي مما يساهم في الوقاية والعلاج .

.. الخوف والقلق من فقدان العذرية 

يمكن أن يكون ذلك سبباً في الخوف من الزواج ومن المضي فيه .. وبعض الفتيات يعشن قلقاً ورعباً ولفترات طويلة من أنهن ربما فقدن عذريتهن بسبب ركوب الدراجة أو الحصان أو الألعاب الرياضية، أو بسبب رض أو سقوط وعندما يقترب الزواج تزداد هذه المخاوف والأفكار السلبية المرتبطة بالفضيحة وما يمكن أن ينتج عنها من مشكلات ومخاطر قد تصل إلى الموت في بعض البيئات .. ويتطلب ذلك حواراً وتطميناً وتصحيحاً للمعلومات الخاطئة المرتبطة بغشاء البكارة، ويمكن إجراء الفحص الطبي للتأكّد من الوضع .. ولابد من الواقعية والوضوح والتفهم من قبل الأهل لمواجهة مثل هذه الأمور بشكل مسؤول وعملي، ويفيد كلّ ذلك في تعديل الخوف من الزواج وتصحيحه، وفي الحالات الأكثر تعقيداً ربما لا تكون النتائج جيدة .



الصدمات الجنسية .. التحرش الجنسي 

قال المختص سليم زرقاوي أنّ كلّ هذه الأمور يمكن أن تشكّل أسباباً خاصة لفهم الخوف من الزواج أو المضي فيه .. والإيذاء الجنسي للفتيات في مرحلة الطفولة وما بعدها ليس نادراً .. وهو يحدث من قبل الأهل والغرباء . ويمكن أن تكون له آثار نفسية بعيدة المدى كلّما كان متكرراً أو مؤذياً .. وكثير من الفتيات يعانين من آثار ذلك ولا يتحدثن عن تلك الذكريات ويخفينها، وعندما يأتي الخاطب أو الزوج تستعاد ذكريات وآلام نفسية ومشاعر ذنب متنوعة يمكن أن تؤدي إلى رفض الزواج .

وهنا لابد من الوعي التربوي وحماية البنات في مرحلة الطفولة ولابد من الحوار والاستشارة النفسية المفيدة وتشجيع الفتاة على نسيان الماضي وتفهمه وفتح صفحة جديدة مع نفسها ومع الحياة . ويمكن أن يفيد ذلك مباشرة في تعديل الخوف من الزواج أو أنه يحتاج لوقت أطول لتفهم الصدمات الجنسية والسيطرة عليها .

وأما الجنسية المثلية فهي ليست نادرة أيضاً ولابد من الوقاية قبل العلاج، ولابد من تمثل الفتاة لهويتها الجنسية الطبيعية ويمكن للأهل أن يلعبوا دوراً إيجابياً منذ الطفولة والمراهقة . وتأتي الضغوط الاجتماعية على الفتاة بضرورة الزواج من الرجل بينما هي تتمثل في داخلها سلوكاً ورغبات جنسية مثلية وربما توافق على الخطبة والزواج ثم تغير رأيها بسبب ذلك .. وتحاط مثل هذه الحالات بالكتمان الشديد والإنكار .. ولا يسهل علاجها إلا في الحالات الخفيفة أو العابرة أو عند صغيرات السن.



.. تشجيع الزواج ضروري ويجب تخفيف أعبائه ومشكلاته

وذكر سليم زرقاوي أنّه لابد من الإشارة إلى احتمال وجود أكثر من سبب واحد في نفس الحالة ممّا يضيف تعقيدات وجهود إضافية للسّير في طريق حلها ومعالجتها .. ولابد من القول أنّ علاقة المرأة بالرجل وزواجهما ليست سهلة أبداً، والخوف من الزواج بالنسبة للمرأة مشكلة حقيقية تحتاج إلى جهود عديدة وتفهم وصبر وتوفيق من الله.. وهناك الخوف من الزواج عند الرجل أيضاً .. وربما تختلف أسبابه وتفاصيله .. ولابد من تشجيع الزواج وتخفيف أعبائه ومشكلاته .. ولابد من النظر في الأعماق وتعديل ما يمكن تعديله دائماً مما يضمن مزيداً من الصحة والعافية والسعادة واللقاء مع الآخر بدلاً عن الإحباط والآلام والمشكلات والخوف والعزلة.