الخميس، 22 أغسطس 2013

الإرهاب والإخوان



كأي زلزال كبير لابد له من توابع صغيرة تتواتر رويدا رويدا إلي أن تستقر الاوضاع والمعادلات الجديدة‏.‏ واعتقد أن مصر الآن في مرحلة توابع الزلزال الكبير‏
والتي سوف تستمر بعض الوقت إلي أن تستقر الأمور, وتأخذ مصر مسارها نحو المستقبل بثقة واقتدار. وفي مثل هذه المراحل تختلط مشاعر اللا ثقة بقدر من التفاؤل, وتتبدي الظواهر المتناقضة بقوة شكلا والمتكاملة موضوعا. والمهم أن يكون لدي الشعب والمؤسسات اكبر قدر من التجانس والترابط ووضوح الرؤية.
وكما يقال ربما ضارة نافعة, فقد عرفت مصر من معها ومن ضدها, وبات لدينا الآن خريطة سياسية وإعلامية واضحة تماما تكشف الصديق والشقيق الحق, كما تكشف العدو والخسيس. وعرفت أيضا من يمكنه أن يتحمل المسئولية في اللحظات الحرجة, ومن لا يقدر إلا علي الهروب والقفز من السفينة بدافع اناني. وما أكثر الضرر الذي تعرضت له مصر طوال الشهرين الماضيين, والذي وصل إلي قمته يوم الأربعاء الماضي14 اغسطس, والذي شهد الفصل ما قبل الاخير من ملحمة الجماعة التي حلمت بفتح مصر طوال80 عاما, وحين قدر لها الوصول إلي السلطة في لحظة عبثية غير قابلة للتكرار, لم تتمالك نفسها وتصورت أنها قادرة علي هضم شعب قوامه90 مليون نسمة لديهم تراث حضاري وتاريخي ومدني يمتد آلاف السنين, وحين بدا لها استحالة تحقيق ما تسعي إليه, لم تكترث كثيرا واستمر عنادها, وتصورت أن لديها قدرات خاصة تمكنها من معاقبة كل الشعب وكل المؤسسات وأن تخلق مؤسسات موازية وأن ترفع السلاح في وجه الجميع, مستعينة بذلك بتنظيم عالمي عابر للدول وبعض الحكومات الخاضعة له وعدد كبير من المرتزقة والارهابيين من جنسيات مختلفة.

ورغم قوة الضربة التي تعرضت لها الجماعة بفعل التضامن غير المسبوق بين الغالبية الساحقة من المصريين والحكومة والمؤسسات السيادية, والتجانس النادر بين التحرك الشعبي والفعل المؤسسي كما تبدي في30 يونيو الماضي وما بعده, فإن الجماعة ما زالت تعيش في جلباب الماضي وأوهام فتح مصر مرة أخري علي أسنة الرماح التركية المدعومة من الناتو ومصحوبة بالدعايات السوداء من قنوات إعلامية عربية حفرت اسمها في مزبلة التاريخ. وكما يقال من لا يري من الغربال فهو أعمي, فالجماعة وتنظيمها الدولي لا تري إلا أوهامها وتغمض العين عن ثورة شعب حر يسطر تاريخه بكل ثقة وإقتدار. والمحصلة أن الجماعة فقدت البصر والبصيرة معا ولمائة عام مقبلة في اقل تقدير. وهو ما يفسر ذلك الانغماس المرعب في الارهاب بكل أبعاده المدمرة وآلياته البغيضة.

إنه الإرهاب المفضوح الذي لن ينساه المصريون أبدا ولن يغفره التاريخ مهما حاول المزورون والمرتزقة والكاذبون والمنافقون فعله لتغيير الحقائق أو طمسها. فقد تجلي الأمر كوضوح الشمس في أيام الاعتصام المسلح في رابعة والنهضة التي امتدت ستة اسابيع, ووصل إلي العنان في الأيام الثلاثة الماضية التي تلت فض الاعتصام بصورة احترافية عالية القدر من قبل الشرطة المصرية, وعبر إرهاب الجماعة عن نفسه في مسيرات الترويع للمصريين وفي قطع الطرق, وفي الاعتداء الخسيس علي الكنائس وحرق62 كنيسة في اكثر من مدينة وقرية والتعليم علي ممتلكات بعض الاقباط في قري ومدن بالصعيد تمهيدا للإعتداء عليها, وحرق مسجد رابعة في محاولة لطمس بعض قرائن جريمة الاعتصام المسلح فيه, والهجوم المسلح علي32 قسم شرطة وقتل الضباط والجنود في بعضها, بل وسحل جثثهم أمام الناس الخائفة وهم يرددون إسلامية إسلامية كما حدث في قسم شرطة كرداسة في واحدة من احقر العمليات الارهابية للجماعة وأنصارها المزعومين, وحرق منشأت عامة كمباني ومقار المحافظات كما حدث في مبني محافظة الجيزة وحرق وزارة المالية وكلية الهندسة بجامعة القاهرة, وحرق ونهب مقار لشركات كبيرة, والتحصن في مساجد مختلفة وتخزين الأسلحة الآلية فيها, والتبشير بعمليات اغتيال لبعض الشخصيات العامة والاعلاميين, ناهيك عما يحدث في سيناء من تجييش للإرهابيين والمرتزقة لمواجهة الجيش والشرطة وترويع أهالي سيناء.

هذه الحرب الارهابية القذرة علي مصر وشعبها أنهت أسطورة الجماعة الاسلامية المعتدلة, وأكدت أن الجماعة هي منبع الارهاب الديني في مصر والمنطقة بأسرها, وأن الغالبية العظمي من هذه الجماعات والأحزاب الفرعية المتدثرة بشعارات دينية وجهادية ومهما كانت مسمياتها وشخوصها ليست إلا فروعا للجماعة الأم.
حرب إرهابية قذرة بكل المعاني, ولكنها لم تخلو من بعض المفارقات الصارخة, فهناك شيوخ طالما صدعونا بالفتاوي عن الحلال والحرام لم تروعهم حقائق الحرق والقتل والتعذيب والسحل وقطع الطرق, رغم أن هناك في الفقه الاسلامي الحنيف فصلا كاملا عن قطع الطريق وحد الحرابة وعقاب المفسدين في الارض وعقابهم في السماء. وهناك دول طالما صدعتنا عن حقوق الانسان وحماية الأقليات وحق التظاهر السلمي وحقوق الشعوب في التغيير, وإذا بها تؤيد فصيلا إرهابيا في مواجهة شعب بكامله, وكأنها لم تسمع عن حرق كنائس واعتصامات مسلحة وقتل أناس بدم بارد, أو ربما سمعت وعرفت ولكنها تغاضت عن عمد واغلقت العين والأذن. وهنا المفارقة الاكبر, كيف لجماعة تمارس الارهاب المذموم بكل جسارة ولكنها تنال التعاطف الامريكي والغربي الصريح؟ ليس من تفسير إلا أن هناك صلة عضوية بين هذه الدول ذات التاريخ الامبريالي الاستعماري وبين هذه الجماعة, صلة تقوم علي دور محدد تمارسه الجماعة في إطار التصور الكوني المستقبلي للمنطقة الذي يخدم إسرائيل والغرب, مقابل أن يترك للجماعة وفروعها حكم مصر وبعض الدول العربية الاخري, مشكلة بذلك وعاء كبيرا لجماعات الاسلام السياسي التي يتم تدجينها لصالح الغرب ومصالحه الكبري, بمشاركة تركية مباشرة التي وعدت دور الزعامة كما كان الوضع إبان الدولة العثمانية. وبذلك يتشكل عالم عربي جديد وفق الرعاية الأمريكية والأوربية, وبما يذكرنا باتفاقيات سايكس بيكو الشهيرة لتقسيم الوطن العربي بين القوي الاستعمارية مطلع القرن العشرين.

لكن ما نسيه هؤلاء أن مصر الحضارة والمدنية رغم كل الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها ليست قابلة للاستعمار مرة اخري, وأن قدرها هو أن تدخل الحروب مهما كانت قذرة وأن تنتصر فيها بإذن الله تعالي, وبالتعاون الصادق مع أشقائها العرب المخلصين للإسلام السمح والعروبة النقية.
د.حسن أبو طالب


يشير الإرهاب terrorisme، بحسب معناه الاشتقاقي، إما إلى منهج حُكم وإما إلى طريقة عمل مباشر ترمي إلى إثارة "الرهبة" la terreur، أي إلى إيجاد مناخ من الخوف والرعب والهلع بين السكان[1]. ويشير الإرهاب، في الأعم الأشيع، إلى تقنية عمل عنفية تستعملها مجموعةٌ سرِّيةٌ ضد مدنيين بهدف تسليط الضوء على مطالب سياسية معينة. إن خاصية الإستراتيجية الإرهابية هي إتاحتها الفرصة، عبر أبسط الوسائل التقنية، للاحتيال على وسائل الردع العسكري ذي الإمكانات التقنية الأكثر تطورًا وإفشالِها. فبينما تدَّعي القوى الصناعيةُ العظمى حيازةَ الأسلحة التي تحصِّن حمى الوطن، يزرع سلاحُ الإرهابيين الخوفَ والعنف والموت في القلب من مدنهم حتى. فالإرهاب يقلب رأسًا على عقب دفاع المجتمعات الحديثة، بحيث تظهر أقوى الأسلحة غير ذات جدوى ولا نفع منها في أيدي صنَّاع القرار السياسيين والعسكريين.

لا يستحق الإرهاب أيةَ مجاملة: إذ إن مناهجه إجرامية. يريد الخطاب السائد، لكي يدين العنف الإرهابي أشدَّ الإدانة، أن يعزله عن أشكال العنف الأخرى. إذ ذاك يُدانُ العمل الإرهابي بوصفه جريمةَ العنف المحض الذي لا جدال في لاشرعيته، في الحين نفسه الذي تُرتضى، عن طيب خاطر نوعًا ما، أعمالُ عنف أخرى يُزعَم أنها "شرعية". ففي مواجهة العنف، تُظهِرُ الدولُ والآراء العامة على حدٍّ سواء سخطًا انتقائيًّا ينزع إلى ابتذال أشكال العنف الأخرى. أجل، إن الإرهاب يقتل أبرياء قطعًا، ولكن هل تقتل الحرب المذنبين فقط؟! أجل إن الإرهاب "خارج على القانون"، ولكن أليس من الوهم – كل الوهم – ادِّعاء إخضاع العنف لمقتضيات الحق؟ وفي المحصلة، من وجهة نظر اللاعنف، ينبغي على الحكم الأخلاقي الصادر على الإرهاب أن تقوده المعاييرُ الأساسيةُ نفسُها التي يُتذرَّع بها في الحكم على أشكال العنف القاتل كافة. يجدر نزعُ الشرعية عن المذاهب الإيديولوجية – ولاسيما الأصوليات الدينية – التي تبرِّر الإرهابَ ودحضُها. إلا أن الخطاب الذي يدين الإرهاب سيكون أقل قوة وأقل تماسكًا منطقيًّا فيما إذا برَّر إلى ذلك أشكالاً أخرى من العمل العنفي ليست أقل قتلاً وقد تكون إجرامية سواء بسواء. إذ إن هناك "إرهاب دولة" لا يستحق، هو الآخر، أيةَ مجاملة.

تؤكد اللغة الخطابية المناوئة للإرهاب جهرًا أن الإرهاب يتنكر للقيم الرفيعة للحضارة التي تستوجب احترامَ الحياة الإنسانية. فليكن. ولكن الدفاع عن هذه القيم تحديدًا يعني أولاً احترامها لدى اختيار الوسائل المطبَّقة للدفاع عنها. الانتصار على الإرهاب يعني العمل بأكبر حذر ممكن بالحرص على عدم نفي الفرائض التي تؤسِّس لاحترام الحياة. الانتصار على الإرهاب يعني أولاً رفض الانصياع لمنطق عنفه الخاص القاتل. إن الحامل الرئيسي للإرهاب هو إيديولوجيا العنف التي تبرِّر القتل. لذا فإن الدفاع عن الحضارة يعني أولاً رفض التعرض لعدوى هذه الإيديولوجيا. وهذا يقتضي الإقلاع عن العمليات العسكرية التي تتضمن حتمًا قتل أبرياء. لأنه، من غير ذلك، تجازف الديموقراطيات بأن تقترف السيئات نفسها التي تأخذها هي على الإرهابيين، ناهيكم أنها بذلك لا تنفكُّ تُخصِبُ التربة التي يقتات عليها الإرهابُ وينمو. فحين يتحدى الإرهابُ الديموقراطيات راميًا إلى زعزعتها، ينبغي عليها محاربته وفقًا لإستراتيجية منسجمة مع فرائضها الخاصة ومعاييرها، دون اقتباس أيِّ شيء من تخرصات الإرهابيين. ينبغي عليها أن تدافع عن نفسها بالنزول بعزم إلى الميدان الذي هو ميدانها هي – ميدان القانون – وأن ترفض الانقياد إلى ميدان الاعتباط الذي ينفي القانون.
الإرهاب ليس الحرب. فإستراتيجيتُه، على العكس، تضع رفضَ الحرب كمسلَّمة. إن ما يميِّز الحربَ هو تبادل الأعمال التي يقرِّرها ويشرَع فيها كلٌّ من الخصمين. وعليه، تحديدًا، ليس هناك أي عمل مقابل يمكن لصنَّاع القرار الخصوم أن يقوموا به في مواجهة عمل الإرهابيين. فصنَّاع القرار هؤلاء يجدون أنفسهم عاجزين فعلاً عن ردِّ الصاع بالصاع إلى خصم لا وجه له يتوارى. إن مَن يدَّعي، إذن، الانتصارَ على الإرهاب بالحرب إنما يضلِّل نفسه. أجل، إن المجتمعاتِ الديموقراطية ليس لها الحق في الدفاع عن نفسها دفاعًا شديد الحزم ضد الإرهاب فقط، بل عليها واجب الدفاع عن نفسها ضده أيضًا. غير أن هذا الحق وهذا الواجب، حالما يتم الاعتراف بهما في سياق الدفاع المشروع، يبقى السؤال الحقيقي هو معرفة الوسائل المشروعة والفعالة لهذا الدفاع. فطبيعة الإرهاب نفسها تقضي بمكافحته، لا بأعمال حربية، بل بتدابير أمنية. وينبغي إعمالُ هذه التدابير مع اجتناب وقوع أيِّ شطط أمني، وبغية ذلك، احترامُ معايير القانون احترامًا صارمًا. وضمن الإطار الصارم للقانون، لا يجوز توفير أي جهد لاكتشاف الشبكات الإرهابية وفرط عقدها. ولهذا الغرض، ليست الجيوش هي التي ينبغي تعبئتها، بل أجهزة الاستخبارات. ينبغي اعتقال عناصر هذه الشبكات ومحاكمتهم حالما يتم التعرف إليهم من غير لَبْس. ولكن للانتصار على الإرهاب، يجدر الاجتهاد في فهم أسبابه وأهدافه. ينبغي ألا يعفي السخطُ على المنهج من تحليل أسباب العمل بذريعة خادعة مُفادها أن السعي إلى فهم الإرهاب قد يعني سلفًا الأخذ في تبريره. مع ذلك، تُظهِرُ الوقائع أن السخط غير ذي جدوى؛ إذْ لا يتيح فهمَ سببِ قرار بعض الناس، حتى التضحية بحياتهم، الذهابَ إلى أقصى تخوم العنف المدمِّر القاتل. فلاستئصال الإرهاب، لاجتثاث أصوله، لا مناص من الاجتهاد في فهم طبيعة الجذور التاريخية والسوسيولوجية والإيديولوجية والسياسية التي تغذِّيه. أجل، إن الإرهاب قد يكون لاعقلانيًّا، وبذلك يحكم على نفسه بألا يكون سوى فعل عدمي nihiliste تحرِّكه إرادةُ التدمير ورغبةُ القتل؛ إذ ذاك، لا يتورع الإرهاب أن يكون، من حيث الأساس، انتهاكًا يتم عن جهل مُطْبَق بالخير والشر. ومع ذلك، فمن الغلط جعلُ العدمية خاصية كلِّ فعل إرهابي. في الواقع، يستلهم الإرهاب، ككلِّ إستراتيجية عمل عنفي، دوافع عقلانية في الغالب الأعم. فإذا لم يكن الإرهاب هو الحرب، غير أنه يريد أن يكون هو الآخر وسيلةً لاستمرار السياسة. فهو يمتلك، إذ ذاك، تماسُكَه الإيديولوجي الخاص ومنطقَه الإستراتيجي الخاص وعقلانيته السياسية الخاصة. من هنا، لا يفيد في شيء رفضُه بالتشهير بلاأخلاقيته الجوهرية. إذ حالما يُعترَف بالبعد السياسي للإرهاب، يصير من الممكن التفتيش عن الحل السياسي الذي يطالب به. إن الطريقة الأكثر فعالية لمحاربة الإرهاب هي حرمان منفِّذيه من الأسباب التي يتذرعون بها لتبريره. بذا يكون في الإمكان إضعافُ القاعدة الشعبية التي يحتاج إليها الإرهابُ أيما حاجة إضعافًا طويل الأمد. فالإرهاب كثيرًا ما يتأصل في تربة سمادها الظلمُ والإذلال والإحباط والبؤس وفقدان الأمل. أجل، إن الوسيلة الوحيدة لإيقاف الأعمال الإرهابية هي حرمان منفِّذيها من الأسباب السياسية التي يتذرعون بها لتبريرها. مذ ذاك، للانتصار على الإرهاب، ليست الحرب هي التي يجب القيام لها، بل العدل هو الذي ينبغي بناؤه.

عندما يندرج الإرهاب في نزاع سياسي تقبل رهاناتُه التحديد تحديدًا واضحًا، يصبح من الضروري على الأرجح التفاوض مع الإرهابيين. وهنا أيضًا، يؤكد المنطق الخطابي السائد أنه "لا تفاوُضَ مع الإرهابيين"! ولكنْ فيما يتعدى الأقوال هناك الوقائع. فما أكثر الحكومات التي اضطرت إلى مناقَضَة أقوالها للاعتراف بالوقائع، أي إلى إسكات سخطها للقبول بالتفاوض!